المرأة الفلسطينية والعربية، اللتان تُعدّان نموذجين لصبرٍ طويل وتعبٍ متوارث، لم تنعما بالكثير من الحظ في هذه الحياة. فقد وُضِعَت المرأة العربية، عبر أزمنةٍ طويلة، بين مقصلة القبيلة وقسوة القوانين، وبين عاداتٍ لم تترك لها متّسعًا واسعًا لتعيش الحياة كما تستحق. فكبرت وهي تتعلّم التضحية قبل أن تتعلّم الحلم، وتُطالَب بالصبر قبل أن تُمنح حقّ الاختيار. ولهذا لم تعرف كثيرًا كيف تُؤتَى الحياة، ولم تتح لها الفرصة الكاملة لتعيش تفاصيلها وصورها الجميلة كما ينبغي.

كانت المرأة، في كثيرٍ من الأحيان، تُدفع إلى الخلف ليبقى المشهد كما أراده الموروث الثقيل؛ رمزًا للصبر الصامت، وللعطاء الذي لا ينتظر مقابلًا. ومع مرور الزمن، أصبح هذا المشهد مألوفًا إلى حدٍّ بدا معه وكأنه طبيعة الأشياء، وكأن التضحية بالعمر قدرٌ مكتوب على النساء أن يحملنه دون سؤال.

غير أنّ هذا الواقع لم يكن نهاية الحكاية. فقد استطاعت بعض النساء أن يخلعن عباءة القبلية المقيتة، وأن يرفعن أصواتهن عاليًا في وجه الحياة والمجتمعات. وهذا أمرٌ طبيعي يحدث كلما اتسعت مساحة الوعي، وكلما خرجت المرأة من دائرة العادات البالية إلى فضاء المعرفة والثقافة. لكن هذه الخطوة لم تكن سهلة؛ فالمرأة الواعية غالبًا ما تصبح هدفًا للنقد الدائم، لأنها تُربك من اعتاد أن يتلاعب على أطراف الحقيقة والحق والوجود، ويتصدّر المشهد بثقافةٍ ذكورية لا ترى في المرأة إلا ظلًّا.

ومع ذلك، فإن المجتمعات لا تنهض بالصراع بين الرجل والمرأة، بل بتكاملهما. فالمرأة الواعية لا تقف في مواجهة الرجل الحقيقي، بل تكون شريكته في بناء الحياة. والرجل العربي الأصيل، كما عرفناه في صورته النبيلة، هو من يدرك مسؤوليته ووعيه، ويعرف ما يريد وما يجب عليه فعله، وكيف يحفظ التوازن بين القوة والعدل. ومن هذا المزيج المتوازن بين امرأةٍ واعية ورجلٍ حقيقي يمكن أن يولد جيلٌ جديد، جيل يحمل رايات الحرية، ويبتعد عن تقديس الأشخاص الخطأ، ويمضي قُدمًا نحو العلم والتطور، وفهم طبيعة الكون وسيرورته وسننه، بما يخدم وطنه والإنسان من حوله.

غير أن الحديث عن المرأة العربية عمومًا لا يكتمل دون التوقف طويلًا عند المرأة الفلسطينية خصوصًا. فهي واحدة من أكثر النساء حملًا لأثقال التاريخ والواقع معًا. فقد عاشت بين الشتات والحرب والخذلان، ووجدت نفسها في مواجهة يومية مع الألم، لكنها لم تفقد قدرتها على الصمود. كانت تبحث دائمًا عن إطار يحمي قلبها قبل أن يحمي حقوقها، لأن القلب في وطنٍ جريح يحتاج إلى حمايةٍ مضاعفة.

فالمرأة الفلسطينية ليست مجرد صورةٍ عابرة في المشهد؛ إنها أم الشهيد، وأخته، وعمته، وخالته، وهي التي تفتح باب البيت في الصباح رغم خوفها من الأخبار الثقيلة. وهي صاحبة البيت الذي قد يُهدم في لحظة، وحارسة الذاكرة التي لا تسمح للغربة أن تمحو ملامح الوطن. وهي التي تقف في طوابير التفتيش على الحواجز العسكرية في وطنها المحتل، وتعود إلى بيتها مثقلةً بالتعب لكنها لا تسمح لليأس أن يسكن قلبها.

وهي أيضًا تلك الأم التي لا تنام حين يتأخر أبناؤها، والتي تحسب الزمن بين اتصالٍ وآخر، وبين خبرٍ وآخر، وبين خوفٍ وآخر. هي التي تُخفي دمعتها كي يبقى البيت واقفًا، وتُخفي ضعفها كي لا يسقط الأمل من عيون من حولها.

لهذا كلّه، لم تكن الحياة لتستمر في هذه الأرض لولا وجود الأحرار من الرجال والنساء معًا. أولئك الذين يشكّلون لبنة الأرض الحقيقية، والذين يؤمنون أن المستقبل لا يُبنى بالانكسار، بل بالإرادة والمعرفة والحرية. فالأرض التي أنجبت كل هذا الصبر قادرة، مهما ضاقت سبل الحياة، أن تفتح طريقًا نحو غدٍ أفضل.