الموت مفردة تبدو من ثلاثة حروف، لكنها تحمل بين ثناياها الكثير من العبارات الحارقة للروح، حلقة مفرغة لا تعرف ترتيبها، لربما كنا نحن من يُصلّى علينا؛ فهذا القرب يعيد ترتيب المشاهد الداخلية في ثوانٍ، نتفقد فيها أولادنا وأبداننا، في ثوانٍ تتماوج بين شريطنا ومن نحب. نحن لا نريد موتًا دون وداع، نريد أن نضع كفّنا لآخر مرة في كفّ من أكملنا معنا الطريق، ونريد احتضان أبنائنا، فمن نصب لنا مشانق الحياة دون استئذان؟ ومن وضعنا على حافة الطرق اللامنتهية؟ ومن سيستقبلنا هناك؟ هذا الموت عليه أن يكون بحجم مأساة الشتات، بحجم قهر اللجوء، وبحجم الأسئلة والوداعات بكل تناقضاتها الكثيرة، وكتبت الكثير عن وردي المنتظر، وشالي الزهري، وأرجوحتي، وودت أن أضمّ أحفادي، لكن الوجوه التي تمرّ لتلقي سلامًا نهارًا لا تضمن أن تراها ليلًا. علينا أن نحفظ جيدًا معالم تآكل الحجر في الطريق وانتقال الوردة إلى الغصن اليابس فجأة؛ فالضحكات لم تعد مؤجلة فحسب، لكنها الأخيرة بين عبق الياسمين والأغنيات الوطنية والعلم الأزرق الذي يفضحنا في اللجوء تحت وكالات التشرد. كيفَ لنا أن نُقنِعَ ريحًا عاتيةً أن تُؤجِّلَ موعدَ الموت قليلًا؟ فهنا اكتمالُ الزهرِ لم يَحِنْ بعد، هنا قِطفةُ الحبِّ الأولى، والحنينُ الأشهى، وهنا الأحاديثُ المنتظرةُ دورَها لتكتملَ. أنا لم آتِ لأقولَ: مهلًا، بل جئتُ مُنصفًا للوقتِ والمكانِ. جئتُ أُرتِّبُ بعضَ الفوضى التي اجتهدَ في صياغتِها ذلك الأسمرُ. للأماكنِ حنينٌ يُشبهُنا ونُشبهُه، والمسافةُ على الموتِ حقُّ الانتظارِ. فانا لم أُنهِ حديثي معه، ولم أنتهِ من قهوتي معه، ولا علَّقتُ الصورةَ الخشبيةَ المُرصَّعةَ بشغفي الممتدِّ على امتدادِ عمري. خُذْني أهيمُ بعوالمَ تُشبهُنا بفطرتِنا السليمةِ، وبأغنيةٍ أبتْ إلّا أن تجمعَنا على وترِ عاشقٍ لاجئٍ يعرفُ من أينَ يُؤتَى بشغفِ البداياتِ.
الشاعرة نهى عودة
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها