تحولت فرحة الغزي حسام يوسف إلى صدمة، منذ أُبلغ رسميًا بعدم السماح له بالعودة إلى قطاع غزة، فقط لأنه غادره إلى مصر قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بذريعة إسرائيلية تقول إن من خرجوا قبل العدوان لم يخضعوا لما تسميه "الفحص الأمني".

يوسف (44 عامًا) أب لخمسة أطفال من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يعيش اليوم في مصر حالة نفسية قاسية، بعد أن أُغلق في وجهه باب العودة إلى بيته وأطفاله ووالديه المسنين.

يقول: "غادرت قطاع غزة قبل ثلاثة أشهر من العدوان، عبر معبر رفح البري، من أجل الدراسة. كانت الأمور طبيعية، إلى أن حل السابع من تشرين الأول. منذ تلك اللحظة بدأت أيامًا ثقيلة لا يحتملها بشر، فأطفالي صغار، وزوجتي ووالداي لا معيل لهم غيري".

يصمت قليلًا، محاولًا السيطرة على انفعاله، ثم يتابع: "كنت أتابع الأخبار بحرقة، لا أنام ليلًا من شدة التفكير في عائلتي. أصعب ما مررت به حين قرأت أن إطلاق نار ونسف بيوت يطالان محيط منطقتنا السكنية. شعرت بالجنون والخوف على أطفالي، وحين تمكنت من الاتصال بهم علمت أنهم خرجوا من المكان بأعجوبة".

ويضيف: "أن تكون في الخارج وأطفالك يواجهون الموت وحدهم دون سند، هو قهر لا يوصف. كنت أخشى في كل لحظة أن أسمع خبرًا عن استشهاد أحدهم، أو إصابته، أو تدمير البيت. عشت الخوف والعجز والحرمان، وربما كانت أهوال الانتظار أقسى من الحرب ذاتها".

ويستطرد: "فرحت بوقف العدوان على غزة، وفرحت أكثر بفتح معبر رفح والسماح للموجودين خارج القطاع بالعودة، رغم المضايقات التي تعرّض لها العائدون. لكن فرحتي لم تدم، إذ تحولت إلى كابوس عندما أُبلغت رسميًا بأن سلطات الاحتلال تمنع عودة كل من غادر غزة قبل السابع من تشرين الأول".

يتساءل يوسف بحرقة: "هل أنا الآن لاجئ؟ أم نازح؟ أم مهجر؟ الصاعقة الحقيقية أن أكون في مكان، وزوجتي وأطفالي في مكان آخر، لا أستطيع الوصول إليهم ولا يستطيعون الوصول إلي".

ويقول بصوت متهدج: "أصبحت بلا عائلة، بلا أهل، بلا أولاد، وحيدًا وضائعًا".

وفي غزة، تعيش زوجته صدمة مماثلة، إذ تقول: "وقع الخبر كان كالصاعقة. فأطفالي صغار ويحتاجون إلى والدهم. الحياة بعد الحرب صعبة، فكيف تكون دون زوج؟ لا أعلم ما مصيري ومصير أطفالي في ظل هذا القرار المجحف، وكأن ما عانيناه خلال العدوان لم يكن كافيًا".

وتضيف: "أطفالي يتواصلون مع والدهم عبر الإنترنت، يبكون ويخبرونه كم هم بحاجة إليه. فكرة أنهم قد لا يرونه مجددًا تكسر قلوبهم يوميًا".

ولا تقتصر المأساة على حالة واحدة، إذ يطال القرار آلاف الغزيين الذين خرجوا إلى مصر قبل العدوان، ليتحولوا قسرًا إلى نازحين خارج وطنهم، بلا أفق واضح للعودة.

سهام رزق (40 عامًا)، أم لثلاثة أطفال، غادرت غزة برفقة والدتها للعلاج قبل العدوان، تقول هي الأخرى: "خرجت من غزة لمرافقة والدتي التي تعاني ورمًا في الغدة النخامية، ولم أتخيل أن يتحول العلاج إلى فراق طويل".

وتضيف: "أُبلغنا بأننا لن نتمكن من العودة لأننا غادرنا قبل الحرب. ماذا عن أطفالي الذين لم أرهم منذ ثلاث سنوات؟ ماذا عن القهر والتعب النفسي؟"

وتتابع: "أموت كل يوم ألف مرة. أريد العودة إلى غزة وبيتي. هذا القرار دمرنا نفسيًا. أخشى أن أكبر وأنا محرومة من أطفالي، وأن يكبروا وهم محرومون من أمهم".

وعن تداعيات هذا القرار، يقول الناطق باسم حركة "فتح" في قطاع غزة منذر الحايك: إن "الاحتلال الإسرائيلي يسعى بشكل ممنهج إلى تهجير شعبنا الفلسطيني، مشيرًا إلى أن ما تعرض له العائدون عبر المعبر من ممارسات مهينة يهدف إلى ترسيخ صورة ذهنية لدى من هم خارج القطاع بعدم العودة".

ويضيف أن "إسرائيل تحاول منع عودة أي فلسطيني من الخارج، خوفًا مما تسميه القنبلة الديمغرافية، وتسعى إلى تفريغ الأرض من سكانها عبر سياسات التهجير".

ويحذر الحايك من أن القرار أدى إلى تمزيق آلاف العائلات، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لتطبيق ما تم الاتفاق عليه بشأن فتح معبر رفح ذهابًا وإيابًا، استنادًا إلى اتفاقية عام 2005.

وبحسب إحصاءات سفارتنا في القاهرة، يوجد نحو 150 ألف مواطن من قطاع غزة موجودين حاليًا في الأراضي المصرية، بينهم أعداد كبيرة سجلت بياناتها من أجل العودة إلى القطاع.

يشار إلى أن معبر رفح البري فُتح قبل أيام في الاتجاهين، لكن بأعداد محدودة جدًا وتحت شروط صارمة، فيما أفاد عائدون بتعرضهم لمعاملة قاسية من جيش الاحتلال الإسرائيلي الموجود عند المعبر.

وكان جيش الاحتلال قد أغلق معبر رفح في أيار/ مايو 2024، قبل أن يعاد فتحه ضمن استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ مطلع تشرين الأول الماضي.