لم تكن الحياة على قدر الحلم المؤجَّل؛ كانت دومًا تستوقف المرء في أوج انبهاره بذاته قبل الآخرين، تجعله يطرح الأسئلة الكثيرة، والأغلب منها لا يجد له جوابًا. حالها حال التقدّم في العمر؛ مهما حاولت أن تكافح لتبقى صغيرًا، إلّا أنّ دولاب الوقت أسرع من كلّ هذا.
نحن نملك جزءًا لا بأس به ممّا نحن عليه الآن. في لحظة فرح يمكنك أن تقول إنّ هزائم الأمس صنعت منك إنسانًا مختلفًا، إنسانًا له بصمة خاصّة لن يمرّ من باب هذا الكون كعابر سبيل. لكن في لحظات الضعف، لن تتذكّر كلّ هذا؛ ستبقى أمام حقيقة الخذلان والارتباك والتشويش، وتسأل: هل أستحقّ كلّ هذا؟
تعلَم أنّ الأمر لم يكن متعلّقًا بك وحدك، ولكن ما حكمت عليه الدنيا في تركيبة شخصيّات الآخرين المرتبطين بك سينعكس عليك وعلى علاقاتك بهم وعلى مآلات هذه العلاقات. وفي المحصّلة، لن تستطيع في أماكن كثيرة تغيير أيّ شيء، لأنّك ستدرك أنّ الذنب لم يقع عليك ولا عليهم، بل في سيكولوجيّة المرء نفسه، وفي كيفيّة تعاطيه مع ما يفرضه الموقف، وهو ما ينعكس سلوكًا مباشرًا تجاهك.
نحن الآن في خضمّ معركتين:
الأولى مع ذواتنا، حيث نحاول الخروج بأقلّ الخسائر، لأنّنا نعلم أنّ الخذلان يعقبه خذلان، وأنّ خذلان الروح هو أقساه، وهو في كثير من الأحيان نتاج تربية هشّة، ولجوء أعمى، وأحلام مؤجّلة. يغيب الوعي فيحضر الجهل، فنتعلّم من جيوبنا، ويأخذ هذا التعلّم في كلّ مرّة جزءًا من أرواحنا.
أمّا المعركة الثانية فهي مع الآخر، الذي قد يكون خضع بدوره لتجربة مشابهة، لكنّها خيبات الأرواح بأشكال متعدّدة. وهنا يبرز السؤال:
هل تحتاج الصراعات والخلافات إلى مزيد من الإدراك والوعي؟ أم إلى مناطق آمنة في العلاقات؟ أم تُترك الأمور معلّقة كما يفعل الهاربون من المواجهة، أولئك الذين لا يقدرون على مصارحة ذواتهم، فكيف لهم أن يصارحوا الغريب؟
إنّ التناغم الإدراكي في العلاقات، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، لا يقتصر على التفاصيل اليومية العابرة، بل يتعدّاها إلى الغوص في الذات، والمصارحة، والمصالحة. وهذا يحتاج إمّا إلى نشأة سليمة، ووالدين مدركين للحياة، يُشبعان أبناءهم وعيًا وحوارًا يصوّب خطاهم نحو غد أفضل، أو إلى مجهود شخصي شاق، يُبذل بوعي وإصرار.
أمّا الأمان، فهو حجر الأساس في كلّ علاقة إنسانية. قد يسبق الإدراك أو يسير بمحاذاته، لكنّه لا يُمنَح لمن لا يعرف ماذا يريد، ولا ماذا يحبّ أو يكره. الأمان أعلى درجات التوازن في الحياة، وليس شكلًا من أشكال الهروب. أن تأمن من أمامك على قلبك وروحك وطريقك، وأن تثق أنّه لن يُفلت يدك لريح التيه.
كلّما ازداد وعينا، واتّسع انفتاحنا على الآخر، واحترمنا حريّته، ووضعنا ميزانًا عادلًا للتدخّل في شؤونه، اقتربنا أكثر من غدٍ أفضل.
أمّا التناغم الإدراكي، فعليه أن يتحقّق قبل الاندفاع نحو ما هو زائف، فالتساوي على ذات الخطّ والمبدأ، ومحاولات تغيير الطباع المتجذّرة، لن تُسمن ولن تُغني عن جوع.
علينا أن نعي جيّدًا أنّنا، بعد مرحلة متقدّمة من العمر، قد لا نستطيع إعادة تشكيل ما ذاب فينا عبر ستّين لغة من لغات الموقف والتجربة، لكنّنا نستطيع أن ننقذ أجيالنا القادمة. نستطيع أن نمنحهم وعيًا أبكر، وأمانًا أصدق، ومساحات أوسع للفهم، ليكونوا أقلّ خيبة، وأكثر اتّزانًا، وأقرب إلى ذواتهم وإلى الحياة كما ينبغي لها أن تُعاش.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها