لم تعد الأحداث المتسارعة التي يشهدها العالم مجرد أزمات متفرقة أو صراعات إقليمية معزولة بل باتت تشكل لوحة واحدة تعكس تحولًا عميقًا في بنية النظام الدولي وانزلاقه المتزايد نحو منطق ابقوة وتغليب الهيمنة على القانون والسلاح على السياسة.

فما شهدته فلسطين من عدوان إسرائيلي واسع وحرب إبادة جماعية وتدمير ممنهج للبنية الإنسانية والعمرانية لم يكن حدثًا عابرًا أو ردًا أمنيًا كما تحاول الدعاية الغربية تسويقه بل مثل نموذجًا صارخًا لانهيار منظومة القيم التي طالما أدعى الغرب الدفاع عنها وفي مقدمتها حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها. 

لقد تحولت غزة إلى شاهد حي على ازدواجية المعايير الدولية حيث يمنح القاتل الحماية ويترك الضحية وحيدًا تحت القصف والحصار.

ويأتي في السياق ذاته العدوان الهمجي على لبنان حيث دمر جيش الاحتلال الصهيوني قرى وبلدات الجنوب في محاولة لإعادة فرض معادلات الردع بالقوة وإخضاع المنطقة لمنطق النار المفتوحة بعيدًا عن أي اعتبار للسيادة الوطنية أو للقوانين الدولية.

أما الجنوب السوري فقد تحول بدوره إلى ساحة مفتوحة للاحتلال الإسرائيلي خاصة السيطرة على عدد من النقاط والمواقع العسكرية الحساسة مثل قاعدة جبل الشيخ الاستراتيجية وكأن الجغرافيا العربية باتت مستباحة لمن يمتلك فائض القوة والدعم الأميركي غير المشروط.

ولم يتوقف هذا المسار عند حدود فلسطين ولبنان وسوريا بل امتد ليشمل إيران التي تعرضت لهجمات مباشرة ما فتح الباب أمام انخراط الولايات المتحدة بشكل أكثر وضوحًا إلى جانب إسرائيل في تصعيد خطير يهدد بتحويل المنطقة بأسرها إلى ساحة مواجهة شاملة لا يمكن التنبؤ بنتائجها الكارثية على المنطقة. 

وفي خضم الحروب المتنقلة تنكشف الشهية الأميركية والتي لا تقتصر على الشرق الأوسط فحسب، بل للهيمنة على العالم  ومحاولاتها للسيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها، من خلال مشاريع الوصاية على الموارد الفلسطينية في بحر غزة والسعي للهيمنة على مناطق غنية بالمعادن والثروات الطبيعية مثل غرينلاند في تعبير واضح عن استعمار جديد.

ولا يمكن فصل كل ما يجري في الشرق الأوسط عن الحرب الطويلة في أوكرانيا التي تحولت إلى حرب استنزاف كبرى استنزفت فيها روسيا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وأُعيد من خلالها إنتاج أجواء الحرب الباردة ولكن بأدوات أكثر قسوة وأثمان بشرية واقتصادية أشد فداحة دفعت بالعالم نحو فقدان الأمن والاستقرار.

وأمام هذا المشهد المعقد يتراجع الرهان على النظام الدولي والمؤسسات الأممية التي أثبتت عجزها وارتهانها لإرادة القوى الكبرى، من هنا لا بد من دور للشعوب العربية كعنصر أساسي في معركة الوعي والصمود فالشعوب التي عايشت ويلات الحروب والحصار والاحتلال مطالبة اليوم بالحفاظ على بوصلتها الوطنية والقومية ورفض مشاريع التطبيع التي تهدف إلى شرعنة الاحتلال والتصدي لحملات التضليل الإعلامي التي تسعى إلى تبرير العدوان.

فعلى الشعوب العربية تعزيز وتفعيل أدوات الضغط السلمي من خلال الحراك الجماهيري والمقاطعة الاقتصادية والثقافية وفضح الجرائم الإسرائيلية عبر الإعلام الحر ومنصات التواصل، لأن ذلك يشكل ركيزة أساسية في مواجهة مشاريع الهيمنة وإعادة رسم المنطقة بالقوة، كما أن رفع مستوى الوعي السياسي لدى الأجيال الشابة واعادة ربط القضايا الوطنية بالقضية الفلسطينية بوصفها القضية المركزية للأمة يمثل استثمارًا استراتيجيًا في معركة طويلة الأمد عنوانها الكرامة والسيادة والاستقلال.

وفي ضوء كل ما سبق يفرض السؤال نفسه بإلحاح، إلى أين يتجه العالم؟ هل نحن أمام ولادة نظام دولي جديد يعاد تشكيله على أنقاض القانون الدولي وحقوق الشعوب؟ أم أننا نشهد المراحل الأخيرة من نظام أحادي القطبية يحاول تأجيل أفوله عبر إشعال الحروب وتفجير الأزمات المؤكد أن المؤشرات الراهنة لا تبشر بعالم أكثر عدلًا أو أمنًا بل تنذر بمزيد من الفوضى وتآكل منظومة القيم الإنسانية وتحويل المؤسسات الدولية إلى أدوات انتقائية تستخدم حين تخدم مصالح الأقوياء وتعطل حين تتعارض معها.

وفي عالم تقصف فيه غزة بلا رادع ويدمّر فيه جنوب لبنان بلا محاسبة وتحتل أراضي عربية علنا وتشعل فيه الحروب بالوكالة تغدو مسؤولية الشعوب الحية والنخب الحرة أكبر من أي وقت مضى في الدفاع عن الحق وفضح ازدواجية المعايير والعمل على بناء ميزان قوى أكثر عدلًا قبل أن يبتلع منطق القوة ما تبقى من إنسانية هذا العالم.