لم يكن "علي حسن سلامة" مجرد اسم في سجل الشهداء، بل كان معادلةً نادرة جمعت بين الجرأة والدهاء، بين السلاح والعقل، وبين الثورة بوصفها فعلاً ميدانياً، والأمن بوصفه وعياً استراتيجياً.

في الثاني والعشرين من كانون الثاني عام 1979، ظنّ الاحتلال الإسرائيلي أنه بإطفاء جسد “الأمير الأحمر” قد أطفأ ناراً خطرة، غير مدرك أن بعض الرجال يتحولون بعد استشهادهم إلى منهجٍ لا يُغتال؛ فاستشهاده أبقى حضوره حاضراً في الذاكرة الوطنية والتجربة التنظيمية الفلسطينية.

وُلد أبو حسن من سلالةٍ تعرف معنى المواجهة، وتُتقن قراءة الزمن الصعب. حمل إرث جده الشهيد، وسار مبكراً نحو المعرفة قبل البندقية، متنقلاً بين القاهرة والكويت، حتى وجد في حركة فتح فضاءه الطبيعي، حيث لا تُفصل السياسة عن الميدان، ولا الأمن عن المشروع الوطني. هناك، بدأت ملامح العقلية الأمنية الفتحاوية تتشكل: عقل لا يقدّس السرية لذاتها، بل يوظفها في خدمة القرار الوطني.

لم يكن اختياره قائداً لقوات حماية القيادة، ولا ظلّاً ملازماً لياسر عرفات، تفصيلاً تنظيمياً عابراً، بل تعبيراً عن ثقة استثنائية برجل أدرك أن حماية القائد هي حماية القرار الفلسطيني المستقل.
ومن هنا، تحولت قوات الـ17 من تشكيل أمني إلى فكرة سيادية: أن تكون الثورة قادرة على حماية نفسها، دون أن تفقد روحها.

في بيروت، بلغ أبو حسن ذروة حضوره. أدار العمليات الخاصة، ونسج خيوط الاتصالات السرية، وقرأ الخرائط الدولية بعين فلسطينية خالصة. وحين وقف عرفات على منبر الأمم المتحدة عام 1974، كان الأمير الأحمر هناك، في الظل، يوازن بين الرمز والحماية، وبين الخطاب والسيادة. لم يكن الأمن عنده نقيض السياسة، بل شرطها الأخلاقي.

لهذا، رأت فيه إسرائيل خطراً يتجاوز البندقية. خطر التقارب مع العالم، وخطر العقل الذي يُفشل الاغتيال قبل وقوعه، ويكشف العملاء قبل أن يتحركوا. حاولوا قتله مراراً، وأخطأوا الهدف مرة، قبل أن يصيبوه أخيراً في بيروت. اعتقدوا أنهم أسقطوا خصماً، لكنهم في الحقيقة كشفوا خوفهم من العقل الفلسطيني المنظم.

سبعة وأربعون عاماً على استشهاده، لا يزال علي حسن سلامة حاضراً بوصفه نموذجاً فتحاوياً خالصاً:
أمنٌ بلا تغوّل، قوة بلا استعراض، وولاءٌ لا ينفصل عن البوصلة الوطنية.
لقد اغتالوا الجسد، لكن العقلية الأمنية التي أسسها ما زالت تقول إن الثورة التي لا تحمي نفسها بعقلها، تُترك مكشوفة لريح الأعداء.

سلامٌ على الأمير الأحمر،
سلامٌ على من جعل من الظل وطناً،
ومن الأمن فعلَ كرامة،
ومن الشهادة حياةً أخرى للفكرة .