حركة فتح، في جوهرها الأعمق، هي ذلك التحوّل الجذري الذي نقل الفلسطيني من المأساة إلى مركز الفعل، ومن موقع الضحية الصامتة إلى صاحب الصوت والمبادرة، وهي اللحظة التي قرر فيها الفلسطيني أن يعرّف نفسه بنفسه، وأن يصوغ لغته السياسية بيده، وأن يجعل من الثورة هويةً يومية. لهذا جاءت فتح بوصفها حركة تحرّر وطني قبل أن تكون تنظيمًا، وبوصفها ثقافةً جامعة قبل أن تكون إطارًا سياسيًا. كانت الفكرة بسيطة وعميقة في آن: أن يعود الفلسطيني فاعلًا في قضيته، وأن يصبح الفعل—لا الانتظار—هو اللغة.

بهذا المعنى، ارتبطت فتح بالفرح كما ارتبطت بالثورة. والفرح هنا ليس نقيض الألم، بل القدرة على الاستمرار. من معسكرات التدريب إلى ساحات المخيمات، ومن الأغنية إلى الهتاف، صنعت فتح تقليدًا خاصًا: تحويل الفعل الوطني إلى طقسٍ جماعي قابل للاحتفاء. كانت تدرك، بالفطرة التاريخية، أن شعبًا بلا بهجة شعبٌ قابل للكسر، وأن الثورة التي لا تبتسم تتحول سريعًا إلى عبءٍ على أصحابها.

لذلك كانت الأغنية الفتحاوية جزءًا من البنية الرمزية للشعب الفلسطيني، أغنية تُغنّى في العرس، في المخيم، في الشارع، لتؤكد أن المشروع الوطني ليس مفصولًا عن الحياة اليومية. أعادت فتح وصل ما حاول الاحتلال فصله: السياسة عن الناس، والوطني عن الشخصي، والتاريخ عن اللحظة الراهنة. غير أن عمق فتح الحقيقي يتجلّى في قدرتها على أن تكون إطارًا جامعًا للاختلاف، لا قيدًا عليه؛ فهي الحركة التي استوعبت التيارات والطبقات والطبائع المتباينة، لأنها انطلقت من تعريف واسع لفلسطين بوصفها وطن الجميع. هذا الاتساع شرطٌ لتأسيس مشروع وطني غير إقصائي، مشروع يراهن على التعدد بوصفه مصدر قوة لا سبب انقسام.

هنا بدأ الاختبار الأصعب: كيف تحافظ الحركة على روحها الأولى وهي محاصرة بضرورات الحكم، وبقيود الواقع، وبإرثٍ ثقيل من التوقعات. غير أن المعيار العادل لقراءة فتح لا يكون في لحظة تعثّرها فقط، بل في قدرتها الدائمة على استدعاء جوهرها كلما بدا أنه يبتعد.

في غزة، وفي المخيمات، وفي الأعراس التي تُقام فوق الركام، تعود فتح إلى معناها الأصلي: حركة مرتبطة بالحياة. حين يهتف الشباب باسمها في شارعٍ محاصر، فهم لا يدافعون عن تنظيم، بل عن سردية تقول إن فتح، في عمقها الحقيقي، ليست حركة أو تنظيمًا سياسيًا، بل تجربة وجودية متجددة؛ تجربة تعلّمنا أن الثورة فعلٌ يومي مستمر، وحضورٌ متواصل في كل خطوة فلسطينية، وفي كل شارعٍ يرفض أن يركع. هي تلك اللحظة التي يصبح فيها الشارع بيتًا، والفرح فعلًا مقاومًا.

في مخيمات غزة، حيث تتكدس الحياة في شوارع ضيقة، وتتراكم الأصوات فوق بعضها، تأتي فتح لتذكّرنا بأن فلسطين لا تزال حاضرة في التفاصيل الصغيرة: في الأغنية التي تُردَّد، في الكوفية التي تُلوّح، في ضحكات الأطفال التي تتحدى القصف، وفي الأعراس التي تُقام وسط الخراب. الفرح الفلسطيني هنا موقف، إعلان صمود، وشهادة على استمرار الحياة رغم كل ما حاول أن يقضي عليها.

إن فتح تظل، أكثر من أي وقت مضى، حركة تربط بين الماضي والمستقبل؛ بين التاريخ الذي شُيّد بدم الشهداء، وبين الأمل الذي يُصنع في الأزقة والمخيمات. هي التذكير بأن الوطن مشروع ثقافي وروحي، وقدرة على التمسك بالهوية في وجه محاولات الطمس، وعلى إبقاء الفلسطيني حاضرًا في الفعل، وفي الحياة، وفي المعنى.