شكّل انتخاب القائد الرمز ياسر عرفات رئيسًا للسلطة الوطنية الفلسطينية في ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٦ محطة تاريخية مفصلية في مسار الشعب الفلسطيني ، لم يكن انتخابه رئيسًا للسلطة الوطنية الفلسطينية حدثًا إداريًا عابرًا ، بل شكّل لحظة تاريخية نادرة في مسار شعب حُرم طويلًا من كيان سياسي يمثّله على أرضه ، فبعد مئات السنين من الانتدابات والإمبراطوريات والاحتلالات التي تعاقبت على فلسطين دون أن تترك لأهلها حق تقرير مصيرهم أو إدارة شؤونهم الوطنية ، جاء هذا الانتخاب ليعلن و للمرة الأولى في التاريخ الحديث قيام كيان سياسي فلسطيني منتخب بإرادة شعبه ، مهما كانت حدوده و صلاحياته ناقصة و مقيّدة.

 

بعد نكبة و نكسة غيرت حياة الفلسطينيين بشكلٍ جذري ، جاء انتخاب الشهيد الرئيس ياسر عرفات تتويجًا لعقود من النضال الوطني ، و امتدادًا طبيعيًا لانطلاقة الثورة الفلسطينية في منتصف الستينيات ، تلك الثورة التي أعادت بناء الهوية الوطنية الفلسطينية بعد النكبة ، وحملت الشعب من حالة اللجوء والشتات إلى موقع الفعل السياسي والكفاح المنظّم ، في شخصية (أبو عمار) التقت الشرعية الثورية بشرعية الصندوق ، فغدا رمزًا لمرحلة انتقالية دقيقة بين زمن البندقية و زمن بناء المؤسسات و قيام الدولة.

 

لم يكن الختيار رئيسًا لدولة مكتملة السيادة ، لكنه كان أول رئيس لكيان فلسطيني اعترف به العالم وتعامل معه كشريك سياسي ، و هو ما فتح الباب أمام ترسيخ الوجود الفلسطيني على الخريطة الدولية ، و إعادة القضية الفلسطينية من هامش النسيان إلى مركز الاهتمام العالمي ، لم يكن انتخابه نهاية لمسيرة النضال ، بل محطة تأسيسية في صراع طويل على الحرية والاستقلال ، أكدت أن الثورة قادرة على أن تتحول إلى سلطة و من ثم الى دولة ، وأن الهوية الوطنية يمكن أن تتجسد في مؤسسات وطنية ، حتى في ظل وجود الإحتلال.