يُحكى أن غزة، الأرض التي لا تهاب من الموت، تقاوم الرياح العاتية في الزمان والمكان. ها هي الرياح القادمة من السماء في رحلةٍ طويلة، تعصف بكل ما هو حي على هذه الأرض الصغيرة، لتترك خلفها آثارًا من الدمار تتشابه مع تلك التي تتركها الطائرات في السماء. إنها حرب الأرصاد الجوية المُضافة، التي تسير جنبًا إلى جنب مع حربٍ أخرى، أقل في هولها وأعمق في مصيرها، حرب الغارات الهمجية التي تمحو ما بقي من الملامح الإنسانية لهذه الأرض المنكوبة.
نعود في هذه اللحظة إلى صوت الأرض، صدى لأصوات الأجساد التي سقطت تحت وطأة الغارات، في زمنٍ حيث يُحرق اللَّينُ والصلب تحت سماءٍ يعلوها الصمت المشبوه. "يبدأ اليوم المنخفض بالابتعاد عن غزة تدريجيًا"، هكذا يبدأ تقرير الأرصاد الجوية، وكأن الحياة في بقعة النور تلك إحصائيات تتأثر بالظروف الجوية، بينما أرواح أبناء غزة التي أُزهقت بفعل العدوان المتواصل، لا تكترث لهذا كله، فهي تعيش في ظروف أصعب من توقعات المنخفضات الجوية، على أيّة حال ليتهم توقعوا شراسة الطوفان كما فعل الراصد الجوي.
عشية اليوم، لا يقتصر صراع غزة على الرياح والعواصف، فقد أضيفت إليها رياح الموت، التي تأتي عبر السماء على شكل غارات همجية أخرى لا تفرق بين حجر وبشر، ولا تعرف حدودًا، ولا تخضع لشرائع الحرب. ففي ليلةٍ جديدة من تلك الليالي التي لا تدع للإنسان فرصة للغرق في الأحلام،هذا إن تركت له فرصة للنوم أساسًا، تترك الرياح والأمطار خلفها آثارًا من الجثث والدمار والاستقرار المستحيل، ولا يقتصر الأمر على الأجساد التي تنسحب من هذا العالم، يتجاوزه إلى ملاذات الفقراء وخيامهم التي أطاحت بها العواصف والرعود وعصف بها الخراب.
"سرقت الأرواح، واقتلعَت آخر ستر لنا"، هذا هو الواقع الذي يعيشه أهل غزة، يقتلع الموت فيها كل شيء، الحياة، الأمل، والأمن.
وإذا كانت الظواهر الطبيعية لا تحترم الأرض ولا البشر، وكان الموت لا يفرق بين طفل وشيخ، بين رجل وامرأة، ولا يميز بين من هم في الطريق إلى المدرسة أو في الطريق إلى العمل. هو الموت ذاته الذي يعصف بكل شيء. إن غزّة لا تعيش في فوضى الجغرافيا فقط، بل في فوضى سياسية، وهي جغرافياٌ هُددت بكل الصور في هذه السنوات الماضية.
لكن، ما لا يفهمه من يصفون غزة بأنها "قطعة أرض صغيرة"، هو أن غزة هي أسطورة العناد المقدّس، وعلامة فشل لكل من ظن أن الناس فيها يمكن أن ينكسروا. إن البعد الرمزي لهذه الأرض يتجاوز أبعاده الجغرافية ليصير أفقًا واسعًا للثبات على الثابت. فما عجزت قوى الاحتلال عن تحطيمه، هو ما يبقى متجذرًا في هذه الأرض. ولكن كيف يمكن أن نضع أيدينا على الجرح الذي لا يشفى؟
"وجعنا يفوق الاحتمال". إن هذه الكلمات التي تفيض ألمًا، هي لسان حال كل فلسطيني في غزة، وجميع أبناء الشعب الفلسطيني حيثما حلوا وارتحلوا. كيف يمكن للإنسان أن يحتمل هذا الكم من الحروب والمجازر؟ كم من أرواح تزهق، وكم من أحلام تُدفن في هذه الأرض؟ ورغم أن "منخفض" الطقس يبتعد اليوم، فإن العدوان لا يزال مستمرًا، على الأرض وفي السماء.
تبقى الحياة بين سحب الموت التي لا ترحل، وأمواج الضياع التي لا تُغسل. وإذا كانت الأمواج قد اقتلعت آلاف الخيام، فإن الحقيقة المرة تكمن في أن خيامًا أكثر قد وُضِعت في ساحة النزال. خيام الأمل، خيام الإصرار على البقاء. هذه هي الخيام التي لا يمكن للرياح ولا للطائرات أن تقتلعها.
إن أهل غزة يواجهون عدوانًا لا يتوقف، ولكنهم يصرون على أن أسمائهم ستبقى في سجلات التاريخ، وأن وجودهم في هذه الأرض لا يمكن احتسابه بين النزوات العبرة والمغامرات، إنه الحق الذي ناضلوا لأجله طويلاً ، ومنذ بداية الطريق. هذه الأرض يستحيل قياسها بالمساحة، ولا بالحدود، إنها خارطة البذل وخيط دمِ الشهداء الذين سقطوا من أجل حرية أبنائها.
"لا تتركونا للصمت... استمروا بالحديث عنا"، هذه هي رسالتهم لكل من يعبر في سماء هذه الأرض، ولكل من يراقبهم من بعيد. إنهم بحاجة إلى أن تُسجل مآسيهم في كتب التاريخ، وأن تُسمع بحّة الأرض. هم في غزة، يبنون صمودهم من ركام الموت، يزرعون الحياة في أرض تئن تحت سنابك القهر. هم في غزة، حيث لا ينكسر الإنسان، رغم كل الغارات، ورغم كل العواصف.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها