خمسة وثلاثون عامًا مرّت على الجريمة التي استهدفت جوهر المشروع الوطني الفلسطيني، حين امتدّت يد الغدر لتغتال القادة الشهداء: عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" صلاح خلف "أبو إياد"، وعضو اللجنة المركزية هايل عبد الحميد "أبو الهول"، وأحد أعمدة جهاز الأمن الموحّد في الثورة الفلسطينية الفدائي الصلب فخري العمري "أبو محمد"، خلال اجتماع قيادي في مدينة قرطاج التونسية في الرابع عشر من كانون الثاني عام 1991، في محاولة آثمة لضرب وحدة القرار الفلسطيني، وكسر مدرسة الانضباط والالتزام الوطني التي شكّلت أحد أعمدة الثورة الفلسطينية المعاصرة.

أبناء شعبنا الفلسطيني الصامد في كل أماكن وجوده،
تأتي هذه الذكرى اليوم فيما يواجه شعبنا الفلسطيني أخطر التحديات الوجودية في تاريخه الحديث، في ظلّ حرب إبادة مفتوحة وسياسات تطهير عرقي وتهجير تستهدف أبناء شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، إلى جانب تصعيد الإجراءات العنصرية بحق فلسطينيي أراضي الـ48، واستهداف اللاجئين في الشتات عبر محاولات تصفية حق العودة وتقويض دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، في إطار مشروع متكامل لضرب جوهر القضية الفلسطينية وشطب عناوينها السياسية والإنسانية.

إنّ حركة "فتح" – لبنان، وهي تستحضر هذه الذكرى الوطنية المفصلية، تؤكد أن اغتيال القادة الوطنيين الثلاثة شكّل محطةً فاصلة حاولت قوى الغدر من خلالها النيل من حركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية، واستهداف القرار الوطني الفلسطيني المستقل، غير أن دماءهم الطاهرة أسّست للمعادلة النقيضة، ورسّخت الحقيقة الثابتة بأنّ "فتح" عصيّةٌ على الكسر، وأن المشروع الوطني أكبر من كل المؤامرات، وأن الوحدة الوطنية خطّ أحمر تصونه تضحيات الشهداء.

لقد جسّد الشهيد القائد صلاح خلف عقل الثورة وضميرها الحي، وصمّام أمان وحدتها، فيما شكّل الشهيد هايل عبد الحميد نموذجًا للقائد المؤسّس الذي جمع بين الرؤية السياسية والبناء التنظيمي والعمل الأمني، فكان لبنان أحد ساحات عطائه الأساسية. أما الشهيد القائد فخري العمري فكان أحد الأعمدة الصلبة في جهاز الأمن الموحد، ورجل المهمات الوطنية الدقيقة، وشريكًا أساسيًا في حماية القرار الوطني الفلسطيني، أدّى دوره التاريخي بإخلاص ومسؤولية، حتى ارتقى وهو يذود بجسده عن قادة الثورة ونهجها.

وإذ نؤكّد رمزية هذه الذكرى في وجداننا الوطني والتنظيمي، فإننا نشدّد على أنّ حركة "فتح" في لبنان ستبقى أمينة على نهج جميع شهدائنا الأبرار وعلى رأسهم الشهيد الرمز ياسر عرفات، حارسةً للهوية الوطنية الفلسطينية، ولمكانة منظمة التحرير الفلسطينية ممثّلاً شرعيًا ووحيدًا لشعبنا، ملتزمةً بالخط الوطني الذي يقوده سيادة الرئيس محمود عبّاس في مواجهة كل محاولات التفكيك أو الوصاية أو الإقصاء، وبالحل السياسي القائم على الشرعية الدولية، بما يضمن لشعبنا حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة، والاستقلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

كما نجدّد العهد للشهداء القادة أبو إياد وأبو الهول وأبو محمد، بأن دماءهم الطاهرة ستبقى أمانةً في أعناقنا، وبأن مسيرتهم ستظلّ نبراسًا لأجيالنا، وأن الوفاء الحقيقي لهم يكون بالثبات على النهج، وتعزيز الوحدة الوطنية، وحماية القرار الفلسطيني من كل أشكال الاستهداف، وأن نواصل مسيرة الثورة مؤدين مسؤولياتنا الوطنية بتفانٍ وإخلاص تجاه شعبنا في لبنان، حتى تحقيق أهدافه المشروعة كاملة غير منقوصة.
المجد للشهداء القادة،
والوفاء لمسيرتهم،
وإنها لثورة حتى النصر والعودة