عندما يتم ذكر اسم صلاح خلف، يتراءى أمامنا أكثر من مجرد قائد ثائر، وأكثر من مجرد اسمٍ ارتبط بمعركةٍ نضالية طويلة. أبو إياد، كان بالنسبة لنا، نحن الذين نعرفه عن كثب، أكثر من مجرد شهيدٍ ضحّى بروحه لأجل فلسطين. كان الوالد الكبير الذي يحمل على كاهله همّ الثورة كما يحمل الأب همّ أبناءه، كان القائد الفذ الذي فهم أن النضال لا يكون مجرد مواجهة مع العدو، بل رحلة تتطلب حكمة ووعيًا أمنيًا لا يقل عن الوعي السياسي، وكان الأخ الأكبر الذي لا يأخذ قراراته إلا بعد أن يطوقها بحبٍ وحرصٍ على مصير الجميع.
في ذكرى اغتياله، يتجدد في القلب ألم الفقد، ويصحو في الذاكرة الصوت الذي طالما كان مرشدًا ومعلمًا، مُعلّمًا أن الثورة لا تقتصر على الهتافات فقط، بل على البناء الفكري، وعلى الصبر في اتخاذ القرار السياسي، وعلى القدرة على رؤية فلسطين في كل زاوية من العالم. كان هذا الرجل الذي يتسم بالهدوء والصمت في لحظات الحسم، يعبر عن إصرار الفلسطينيين على التحرر، ويعكس في كل تفاصيله السعي المستمر لبناء الجبهة الداخلية الموصدة التي تقف في وجه التفكيك والانهيار.
ولكن خسارته ليست خسارة قائدٍ فحسب. فهي بالنسبة لي، وأمثالي من رفاقه ومحبيه، خسارة الوالد الكبير الذي أعطى من روحه لنعرف أن نكون مختلفين، أن نكون أكثر تنظيماً، أن نكون أكثر وعيًا بتضحياتنا. كان يعلّمنا أن الثورة لا تقتصر على حرق المراحل، بل على حرق الوعي المستمر بأن الجبهة الداخلية ليست مجرد شعار، بل هي عقيدةٌ يجب أن نغرسها في كل قلبٍ وعقلٍ فلسطيني. عندما رحل، شعرت و أنا بالمعتقل بأني فقدت النور الذي كان يقودنا في الظلام، ويعلمنا أن التوازن بين السياسة
الأمن ليس سهلًا، ولكنه سمةٌ تميز بها أبو إياد في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة "فتح".
كان الشهيد القائد يُعبّر عن فلسطين بطرائق أخرى، فبذكائه الأمني، وحكمته السياسية، وصموده في مواجهة العواصف، جعل من نفسه رابطًا بين الأجيال، حلقة وصل بين الماضي الذي لا يُنسى، والحاضر الذي لا يمكن القبول به إلا من خلال التضحية والصمود. فقدانه بالنسبة لي، لم يكن فقدان شخصية وطنية فحسب، بل كان فقدان الأب الذي علمني كيف أكون إنسانًا حرًا، والفقد الأكبر كان في خطابه السياسي الذي كان يحميني من الانزلاق إلى التطرف أو إلى اليأس.
كلما مرّ عام على اغتياله، يرتد إلى ذهني ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة في كلماته، ذلك القائد الذي لا يتلون، والابتسامة التي كانت تشهد على قسوة المرحلة دون أن تطيح بالأمل. في زمنٍ كان فيه الثوار يواجهون الخصوم والأعداء من الخارج، كان أبو إياد يواجه أعداء الداخل، أولئك الذين لا يتقنون إلا هدم ما بناه الشرفاء .
ماذا تبقى من ذكراه؟ هل تبقى تلك الكلمات التي رددها، تلك القرارات التي اتخذها في لحظات الضعف قبل القوة؟ أم تبقى تلك اللحظات المغمورة بالسكينة قبل أن يدوي الرصاص الذي اغتال جسده؟ بالنسبة لي، تبقى روح أبو إياد، تلك الروح التي لم تكن مجرد قائدٍ في حرب، بل قائدٍ في السلم أيضًا، تلك الروح التي علمتني أن الحرية لا تأتي بالكفاح الثوري وحده، بل بخلق المجتمع المدني الذي يستحق أن ينعم بهذه الحرية.
رحل أبو إياد ولكن إرثه لم يرحل. في كل خطوة أخطوها، وفي كل قرار أتخذه، أجد أن أبا إياد لم يكن مجرد قائدٍ، بل كان طاقةً تلهمنا و نستقي منها دومًا طريق النضال و والإيمان بأن المستقبل لنا، ولن يكون إلا بأيدينا.
لقد ترك ترك لنا عزة النفس، وترك لنا الوعي بأن الطريق طويل، وأن الرفاق ليسوا مجرد أصدقاء في نضالٍ عابر، بل هم الملاذ الآمن في زمن الجراح. ترك لنا درسًا في أن الأمن هو أساس النضال، وأن السياسة لا تكون أبدًا على حساب الثوابت. ترك لنا عقيدة بأن الثورة لا تكون إلا بثبات المبدأ، وحرية العقل، وحسن القيادة.
وأخيرًا، في كل ذكرى لرحيله، ندعو له بالرحمة والمغفرة، وندعو لأن تبقى فلسطين حرة، كما حلم بها أبو إياد، وكلّ الشهداء الذين سقطوا على دربها.
فقدانه بالنسبة لي كان فقدان الوالد الكبير والقائد الأخ، ولا زال أبا إياد حيًّا في وجدان كل فلسطيني حرّ، في كل قرار، وفي كل خطوة نحو الحرية.
في ذكرى اغتيال أبو إياد… فقدان الوالد، القائد، والمعلم
14-01-2026
مشاهدة: 229
موسى الصفدي
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها