لم يكن مصطلح "النظام العالمي الجديد" مجرد شعار رفعه جورج بوش الأب إيذاناً بنهاية الحرب الباردة، بل كان إعلاناً عن حقبة تقود فيها الولايات المتحدة العالم وفق رؤية أحادية القطب، تدمج بين الليبرالية الاقتصادية والسياسية وبين القوة الصلبة عند الضرورة. 
وفي قلب هذا المشروع برزت فكرة "القواعد الدولية" التي صيغت بعناية لتكون الميزان الذي يقاس به استحقاق الدول للبقاء ضمن دائرة الاستقرار أو السقوط في فخ العزلة.
 ومن هنا، تبرز الحالة الفنزويلية كأوضح تجلي لهذا النظام، حيث لم تكن الأزمة هناك مجرد صراع على السلطة بين تيارين، بل كانت محاولة حثيثة من واشنطن لإعادة هندسة دولة مارقة عن "النظام" وإعادتها إلى بيت الطاعة الجيوسياسي. طبعا هذا التوظيف اللفظي هو خاص بأصحابه وهكذا يرون المسألة أو كل من هو خارج سربهم.
إن الدليل القاطع على رغبة الولايات المتحدة في تشكيل هذا النظام وحمايته يظهر في كيفية تحويل "الشرعية" من مفهوم قانوني داخلي يستمد قوته من الدستور وصندوق الاقتراع، إلى منحة دولية تمنحها أو تسحبها القوى العظمى. ففي فنزويلا، شهدنا سابقة تاريخية تمثلت في الاعتراف برئيس مواز لا يسيطر على الأرض، وهي خطوة تجاوزت كل الأعراف الدبلوماسية الكلاسيكية لترسخ واقعاً جديداً مفاده أن السيادة الوطنية لم تعد مطلقة، بل هي مشروطة بمدى توافق التوجهات السياسية للدولة مع المصالح الاستراتيجية للنظام العالمي الذي تقوده واشنطن.
يتجلى هذا النهج أيضاً في توظيف الأدوات المالية كأدوات "عقاب وتأديب" جماعي فالعقوبات الاقتصادية الخانقة التي فرضت على كاراكاس لم تكن تستهدف تغيير سلوك النظام فحسب، بل كانت تهدف إلى إثبات أن الخروج عن مسار العولمة النفطية والمالية المرتبط بالدولار سيؤدي حتماً إلى الانهيار.
 لقد استخدمت الولايات المتحدة هيكلية النظام العالمي الجديد—الذي هيمنت فيه على المؤسسات المصرفية والمنظمات الدولية—لخنق الدولة الفنزويلية، مما جعل من فنزويلا مختبراً مفتوحاً لقياس قدرة "القوة الناعمة" المدعومة بالتهديد العسكري على إسقاط الأنظمة التي تتحدى الهيمنة.
في نهاية المطاف، تكشف تجربة فنزويلا أن النظام العالمي الجديد ليس كياناً ثابتاً يهدف لتحقيق السلم العالمي كما تروج النظريات المثالية، بل هو آلية ديناميكية للاحتواء و الإقصاء.
 إن الولايات المتحدة، التي وضعت أسس هذا النظام، لا تتردد في اختراقه أو إعادة تشكيله كلما رأت أن هناك تمرداً يهدد مصالحها الحيوية في "الحديقة الخلفية" أو في مناطق الثروات الاستراتيجية. وهكذا، تظل الحالة الفنزويلية الدرس الأهم في فهم الفجوة بين فلسفة الأخلاق السياسية وبين واقع القوة التي لا تعترف إلا بمن يمتثل لقواعد اللعبة التي وضعتها هي بنفسها.