هكذا هي حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح؛ حركة الشعب الفلسطيني بامتياز، لا تُفهم بالانتماء الشكلي ولا تُقاس بعضوية متأخرة أو بطاقة تنظيمية، بل تُدرك بعمق الإيمان بمشروعها الوطني وبالاستعداد لدفع أثمانه. إما أن تدخلها من بوابة الصدق والتضحية، أو أن تقف خارجها مع قلةٍ لفظتهم الحركة لأنهم – ببساطة – لم يكونوا يومًا جزءًا حقيقيًا من روحها.
منذ انطلاقتها، لم تكن فتح واحة لتحقيق الطموحات الفردية، ولا سلّمًا للوصول إلى مواقع النفوذ والامتيازات. ومع ذلك، حاول كثيرون – عبر مراحل مختلفة – التعامل معها بهذا المنطق الانتهازي، فالتحقوا بها متأخرين، لا بدافع الإيمان بالكفاح الوطني، بل بحثًا عن مكاسب شخصية عجزوا عن تحقيقها خارجها. هؤلاء أخطأوا فهم فتح، وأخطأوا قراءة تاريخها، لأن الحركة التي فجّرت الثورة الفلسطينية المعاصرة لم تُبنَ لتخدم أفرادًا، بل لتقود شعبًا.
فتح، في جوهرها، ليست تنظيمًا مغلقًا يفرض شروطه على المجتمع، بل حركة تحرر وطني استمدّت شرعيتها من الشعب الفلسطيني نفسه. وهي، في المقابل، تفرز قياداتها انطلاقًا من معيار واحد حاسم: القدرة على تمثيل هذا الشعب والدفاع عن مشروعه الوطني. لم يصل قادتها التاريخيون لأنهم “الأكثر براعة تنظيميًا”، بل لأنهم كانوا الأقدر على حمل همّ القضية، وتجسيد تطلعات الجماهير، وتحويل البندقية والسياسة إلى فعل وطني جامع.
التاريخ الفلسطيني الحديث مليء بالشواهد. فمنذ ستينيات القرن الماضي، واجهت فتح محاولات خروج وتمرد، بعضها حمل شعارات “تصحيح المسار”، لكنها في جوهرها كانت تعبيرًا عن صراع مصالح أو ارتهان لأجندات خارجية. في السبعينيات، حاولت قوى عديدة القفز فوق قرار فتح المستقل، وفشلت. وفي عام 1982، جاءت محاولة الانشقاق الكبرى في واحدة من أخطر مراحل الثورة الفلسطينية، فاختبرت الحركة صلابتها، وخرجت – رغم الجراح – أكثر تماسكًا. ومؤخرًا، طويت صفحة محمد دحلان، في مثال جديد على قدرة فتح على لفظ كل من يحاول تحويلها إلى أداة شخصية أو مشروع موازٍ لإرادة شعبها.
هذه الوقائع تؤكد حقيقة قد لا يرغب البعض في الاعتراف بها، حتى من داخل الحركة: فتح قادرة على تجاوز من يشذ عن قواعدها الأخلاقية والوطنية. من يعتقد أنه أكبر من الحركة، أو أذكى من تاريخها، أو قادر على تطويعها لمصلحته، يجد نفسه عاجلًا أو آجلًا خارجها. ففتح لا تحمي الأفراد، بل تحمي المشروع.
ومن هنا، يمكن فهم خصوصية فتح في اعتمادها – أولًا وأخيرًا – على شعبها، قبل اعتمادها على أدواتها التنظيمية. لقد جنّدت فتح الجماهير قبل أن تجنّد الأفراد، واستمدّت قوتها من الالتفاف الشعبي حولها، لا من الهياكل وحدها. وهذا ما يفسّر فشل كل محاولات تفكيكها أو اختراقها أو فرض الوصاية عليها، سواء جاءت هذه المحاولات تحت عناوين “إصلاحية” أو عبر تدخلات عربية ودولية، كثير منها كان يجري – عن وعي أو عن غير وعي – بالوكالة عن إسرائيل وحماتها.
وفي هذا السياق، تأتي التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، لا بوصفها إجراءً تنظيميًا روتينيًا، بل كضرورة وطنية وسياسية تفرضها تعقيدات المرحلة. فالمؤتمر لم يُعقد بعد، لكن مجرد الإعداد له شكّل رسالة واضحة: أن فتح قادرة على تجديد ذاتها من داخلها، وعلى حماية استقلال قرارها الوطني، وعلى إفشال كل محاولات الالتفاف عليها أو القفز فوق تمثيلها التاريخي.
إن التحضير للمؤتمر الثامن يعكس وعيًا عميقًا بأن تجديد الحركة هو مدخل أساسي لتجديد النظام السياسي الفلسطيني، ولإعادة فتح آفاق الفعل الوطني على قاعدة الشراكة، والشرعية الشعبية، والالتزام الصارم بالثوابت. ففتح، حين تتجدد، لا تفعل ذلك لحسابها التنظيمي الضيق، بل لحساب القضية الفلسطينية برمّتها.
تلك هي فتح كما كانت دائمًا:
حركة شعب لا حزب مصالح،
ومشروع تحرر لا منصة للباحثين عن أدوار عابرة،
وبوصلة وطنية لا تنحرف مهما اشتدت العواصف.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها