لم تكن انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في الأول من كانون الثاني عام 1965 حدثًا عابرًا في تاريخ الشعب الفلسطيني، بل جاءت تتويجًا طبيعيًّا لمرحلة طويلة من المعاناة بدأت مع نكبة عام 1948، حين جرى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، ومحاولة طمس هويّته الوطنيّة وتحويل قضيته إلى مجرد قضية لاجئين. 

في هذا المناخ، ولدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح – كتعبير عن إرادة فلسطينية مستقلة ، أعادت الاعتبار لفكرة أن الفلسطيني هو صاحب القضية ، وهو القادر على حمل مشروع تحرره بيده.

 

مع انطلاقة الرصاصة الأولى، لم يكن الهدف تحقيق إنجاز عسكري مباشر، بقدر ما كان كسر حالة الصمت والهزيمة، وإعلان ولادة فعل فلسطيني منظّم. و قد شكّلت عمليات الثورة الأولى، رغم محدوديّتها، نقطة تحوّل سياسيّة ومعنويّة، أعادت وضع فلسطين على جدول الاهتمام العربي والدولي. و مع تصاعد العمل الفدائي في أواخر الستينيّات، ولا سيّما بعد معركة الكرامة عام 1968، بدأت الثورة الفلسطينية تكتسب شرعية جماهيريّة واسعة ، و أصبح للفلسطينيين عنوان نضالي واضح.

 

هذا التطور قاد إلى مرحلة مفصليّة تمثّلت في انتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى أيدي الفصائل الثورية عام 1969، وعلى رأسها حركة فتح ، منذ ذلك الحين، تحوّلت المنظمة إلى الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات ، و رسّخت مكانتها ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا له. ومع هذا التحول ، لم تعد الثورة مجرّد حالة كفاح مسلح، بل مشروعًا وطنيًّا متكاملًا ، يجمع بين النضال الميداني والعمل السياسي و الدبلوماسي.

 

خلال السبعينيّات، بدأت ملامح الخط السياسي الفلسطيني تتبلور بشكل أوضح ، في ظل تعقيدات الواقع العربي والدولي. وقد شكّل برنامج النقاط العشر عام 1974 انعطافة فكريّة وسياسيّة مهمّة ، حيث فتح الباب أمام إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء يتم تحريره من الأرض الفلسطينية ، دون التخلي عن الحقوق التاريخيّة للشعب الفلسطيني. وفي العام نفسه، جاء خطاب الشهيد ياسر عرفات أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة ليؤكد هذا التحوّل ، وليمنح القضيّة الفلسطينية اعترافًا دوليًّا غير مسبوق ، بوصفها قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره.

 

لم تكن هذه التحوّلات سهلة أو خالية من التحديات، فقد واجهت الثورة الفلسطينية محطات قاسية ، من أحداث الأردن عام 1970، إلى الحرب الأهليّة اللبنانية، وصولًا إلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 والخروج من بيروت. ورغم ما شكّلته هذه الأحداث من ضربات موجعة للبنية العسكرية والتنظيمية للثورة، فإنها أسهمت في تعميق البعد السياسي للمشروع الوطني ، ودفعت باتجاه إعادة ترتيب أدوات النضال بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

 

جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 لتعيد الاعتبار لدور الداخل الفلسطيني ، وتؤكد أن الشعب الفلسطيني، بأدواته الشعبية، قادر على فرض قضيته من جديد على أجندة العالم ،وقد مهّدت هذه الانتفاضة لإعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر عام 1988، ورسّخت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة كهدف سياسي واضح المعالم. وفي سياق هذا المسار، دخلت القيادة الفلسطينية مرحلة التفاوض السياسي، التي أفضت إلى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 ، كنتاج لتراكم نضالي طويل، وليس كحدث معزول عن تاريخ الثورة.

 

وفي مقابل هذا المسار، شكّلت تجربة حركة حماس في قطاع غزة نموذجًا مختلفًا في إدارة الصراع، لا سيما بعد سيطرتها على القطاع عام 2007 بإنقلاب دموي شتت الشعب الفلسطيني و موقفه ، رُفعت حماس شعارات "المقاومة" بوصفها الخيار الوحيد ، دون أن تُقرن برؤية سياسية وطنيّة جامعة أو استراتيجيّة قادرة على حماية المجتمع الفلسطيني من كلفة الصدام المفتوح، و بعد وقت قصير، وجد قطاع غزة نفسه محاصرًا ، معزولًا ، ومثقلًا بالحروب المتكررة الفاقدة لأي هدف سياسي ، فيما تحوّل السلاح من أداة لمواجهة الاحتلال إلى أداة للسيطرة على القطاع و قمع صوته ، و موضع قدم لمشاريع إقليمية في فلسطين ، كما شكّل عامل ضغط داخلي يدفع ثمنه المواطن البسيط.

 

لقد أظهرت التجربة المريرة في غزة أن المقاومة، حين تنفصل عن الإجماع الوطني، وحين تُدار خارج إطار مشروع سياسي شامل، تتحوّل إلى عبء على الناس بدل أن تكون رافعة لتحريرهم. فشعبنا في غزة لم يحصد من هذه التجربة سوى الدمار، والفقر، والبطالة، وانسداد الأفق، دون أن يقترب خطوة فعلية من إنهاء الاحتلال أو كسر الحصار. كما أن غياب الشراكة الوطنية ، وتغليب منطق السلطة الفصائلية ، عمّقا الانقسام ،و شرخ المجتمع الفلسطيني ، وأضعفا الموقف الفلسطيني في مواجهة العدو.

 

ورغم الجدل الواسع حول تجربة السلطة ومسار التسوية، فإنها ، بخلاف نموذج غزة ، حافظت على البعد الوطني الجامع ، و وفّرت حدًا أدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي ، وأسهمت في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في المحافل الدولية. وهذا لا يعني خلوها من الإخفاقات أو الأخطاء، لكنه يؤكد أن العمل السياسي ، حين يُدار ضمن إطار وطني موحد ، يبقى أقل كلفة على الشعب، وأكثر قدرة على تحقيق مكاسب سياسية تخدم الرؤية الفلسطينية.

 

من هنا، بقي خيار المقاومة حاضرًا في الفكر السياسي الفلسطيني ، بوصفه حقًا مشروعًا ما دام الاحتلال قائمًا، لكنه حق مشروط بوحدة القرار الوطني ، وبخدمة المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ، لا بزجّه في مواجهات مفتوحة بلا أفق ، فالسلاح في التجربة الفلسطينية لم يكن يومًا غاية بحد ذاته ، بل وسيلة تُستخدم حين تخدم المشروع الوطني، وتتراجع حين تتحول إلى عبء على الناس.

 

بعد أكثر من ستة عقود على انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، تبدو هذه التجربة بكل محطاتها ، بما فيها النجاحات والإخفاقات ، شاهدًا على أن القضية الفلسطينية لا تُدار بالشعارات وحدها ، ولا بالمغامرة ، بل برؤية وطنية شاملة توازن بين المقاومة والسياسة ، وتحمي الإنسان الفلسطيني قبل كل شيء. إن ذكرى الانطلاقة تبقى مناسبة لتجديد هذا الفهم ، واستعادة روح الثورة كفعل تحرري مسؤول، حتى يتحقق الهدف الأساس في الحرية، والاستقلال، وبناء دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس و عودة اللاجئين.