هي ورقةٌ أم كتابٌ؟ لا ضير في التسميات، فكل ما يمرّ أمامك يحمل جزءًا منك، مما كنت، ومما مررتَ به، ومما بقي عالقًا في ذاكرةٍ لا تنضج إلا بوجعها. تقرأ ما تيسّر، فتنهمر الأسئلة والأجوبة، وتتساقط الفواصل والنقاط كأنها محطات صغيرة تشبه الطرق القصيرة بين جرحٍ وآخر.
يمرّ حدثٌ ما كإعلانٍ خاطف على شاشة طريقٍ سريع، لا تسعفك سرعتك أن تقرأه جيدًا، ثم تنتقل إلى غيره فتقرأ ما لا تحبّ، بينما العجلات تمشي ببطء شديد وسط زحمة الوجوه والناس. تعيد الكرّة مرة أخرى، فتلحظ نفسك بين سطر ومكمّله، لكن اليوم بشروطك أنت؛ سَاكِبًا النقاط لتكتمل الجملة، ليغدو النصّ أوضح، وإن كنت أنت القارئ الوحيد لهذه الورقة.
بين قلبها أو الإبقاء عليها، تتشكّل لغتُك وهويتُك وما آلت إليه نفسك. وترى جُملاً غير مكتملة؛ لعل الوقت يمحو بعضها، أو يعيدك لتكميلها حين تعرف حيثياتها ونهايتها. فنحن، في النهاية، مجرد سطور. قد يقرأ كتابنا جاهل فيرفع القهر ويمحو الفرح، وربما يفعله غيره بالعكس. فالعمر لعبة نرد بين رمية وأخرى، بين مدٍّ وجزر، وأنت كل الأمواج الآتية والعائدة.
ولسنا سوى مرايا تعكس ما نحبّ وما نكره. نتوه بين الصدّ والرد، بين الحضور والغياب، وبين الصراع على أن نكون أو لا نكون. الوقت وحده يعيد ترتيب الجمل المبعثرة، ويمنحك القدرة على وضع النقاط والتواصل مع نفسك بالطريقة الأسلم. غير أن الورقة الثانية بدأت تتحضّر، ولا يمكنك العودة إلى حدث فتغيّره، أو إلى عمر فتسترجعه، أو إلى جرحٍ فتضمّده كما لو لم يكن.
خذ أوراقك التي تحب إلى حيث تهبّ رياحك، وإلى حيث تشتهي شمسك، ولربما شتاؤك أيضًا. لكن تعلّم علامات الوقف، وكن وفيًّا لوعد الروح: أن ما لم تستطع تغييره، هو ما علّمك كيف تدوّر زوايا لعبتك، وكيف تنتصر لنفسك أولًا، وتصبح ما تحبّ أن تكون.