لم تُسهم حركات التحرر في شتى بقاع الأرض في استقطاب الجماهير المؤيدة لها إلا لأسباب عديدة جعلت من الثقة والتمرد على الظلم فعلًا قائمًا بحد ذاته. فوجود الغرباء، سواء كانوا محتلين أم مستوطنين، يضع أبناء الوطن في حالة تجمع بين القهر اليومي والقوة المتجددة؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يألف جلاده أو يتعايش معه مهما طال الزمن. فالمحتل لا يأتي ليبسط السجّاد الأحمر لأبناء الوطن كي ينعموا بخيراته، بل ليجتث الخير ويعيث في البلاد خرابًا، ويخلّف دمارًا ماديًّا ويهتك الأرواح معنويًّا، ولا خلاص منه إلا بعد اجتثاثه من سيادة الروح.
من هنا تبدأ الخطوات الأساسية للتحرير، وتُرسَم الخطوط الأولية للدفاع عن الوطن واستعادة الحق. وبحكم طبيعة البشر التي بُنيت على الاختلاف وتعدد وجهات النظر، تتنوع أساليب النضال وتتعدد خطوط الدفاع. وهذا يعود إلى البيئة الحاضنة والتنشئة الأسرية التي تلعب الدور الأهم في تكوين الوعي. فالأبناء يختلطون بالمجتمعات المختلفة ويكتسبون أفكارًا ومعتقدات عديدة؛ منها ما تذروه الريح، ومنها ما يصبح دستورًا يُقتدى به.
وعند هذه النقطة تبدأ التنظيمات بالتشكل، وتبرز التوجّهات المختلفة التي يجمعها هدف واحد: حب الوطن وتحريره. قد يختلفون في الطريق، لكن تبقى الكلمة العليا والموقف الأوحد: زوال المحتل. وهنا يمكن القول إن تعدد الأيديولوجيات ليس ضعفًا، بل قوة إذا ظل الهدف موحدًا، فلا تحرر بلا تعدد، ولا نصر بلا وحدة قرار.
فالنضال هو السد الأخير في وجه الاستعمار، وهو خط الدفاع الذي لا يتوقف عن إعادة تعريف الهوية الوطنية وترسيخها. لذلك، فإن شيطنة النضال أو محاولة تجريده من شرعيته هو امتداد لسياسات الاحتلال بأدوات ناعمة، تسعى لقطع العلاقة بين الإنسان وأرضه.
لا صفقات تُبرم هنا إلا صفقات الوطن والشعب؛ فالوطن لا يزهر دون شعبه، ولا يمكن أن يكون مشكاةً للألم فقط. إن العلاقة بين المواطن ووطنه، سواء كان مهجّرًا متلحفًا ضباب ألمه أو مقيمًا يشهد قمع المحتل، علاقة لا تُفصم؛ لأن الوطن لا يُستعاد إلا بالإصرار على تحريره من يد الغاصب الذي سلبه أمام مرأى عالمٍ متواطئ، غدا لا يميّز بين احتلال الأرض واستيطان النفوس.
لقد أخذ الفلسطينيون الحصة الأكبر من الوجع والتشرّد والنضال والشهادة. فلا أحلام وردية لديهم؛ حتى ألعاب أطفالهم وطقوس يومهم تمتزج بالضحك والزغاريد كأنهم يشيّعون وردة لا بطلًا، ويورّثون البطولة لأطفال لم يتّسع الحلم في أعمارهم بعد. وبرغم ذلك، لا تزال فلسطين تكتب بدمها معادلة الحرية:
الحق لا يموت ما دام في الأمة قلب ينبض. وإذا كان توحيد الكلمة والموقف هو الأنموذج الأقوى لنصرة فلسطين وأهلها، فإن الإجابة دائمًا تُقاس بصدق الانتماء إلى الأرض التي لم تخذل أبناءها يومًا. فنحن صنعنا من الخيمة دولة، ومن وجع اللجوء هوية لا تنكسر.
إن الوعي هو أول ميادين النضال، والثقافة هي السلاح الذي يُبقي الشعوب حيّة مهما اشتد الحصار. من هنا، يصبح الحثّ على القراءة والتثقّف ومعرفة تاريخ المناضلين ضرورة لا ترفًا، وفهم التجارب الوطنية وعلى رأسها تجربة حركتنا الرائدة فتح التي اعتمدت منذ انطلاقتها على المثقفين وأصحاب الشهادات ووعي الجماهير، هو الأساس الذي حفظ جذوة الثورة حيّة، وسقاها حتى استمرت وصمدت حتى يومنا هذا.
فالتحرير يبدأ بفكرة، ويشتد بقلم، ويُستكمل ببندقية.. ولا ينتصر إلا بوحدة الهدف.
وكما قال القائد الرمز ياسر عرفات: "جئتكم بغصن الزيتون في يدي، وببندقية الثائر في اليد الأخرى" فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي".
وقال الرئيس محمود عباس: "ما ضاع حق وراءه مُطالب".
فإذا كان الوطن بوصلتنا، والوحدة طريقنا، والنضال هويتنا.. فنحن على العهد باقون، وإنها لثورة حتى النصر.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها