يمثل القرار الأخير لمجلس الأمن بشأن غزة مرآة صادقة لحجم الكارثة السياسية والإنسانية التي ألمّت بالشعب الفلسطيني، فإنه يتضمن تحقيق أهداف إسرائيل المعلنة: نزع السلاح، تفكيك حماس أو على الأقل تغير شكلها، وإعادة ترتيب الواقع الفلسطيني في غزة وفق مصالح دولية وإقليمية محددة.
لكن، رغم هذا المشهد القاتم، يفتح القرار أمام الفلسطينيين ميداناً جديداً للنضال الدبلوماسي، ويتيح للقيادة الفلسطينية إعادة ترتيب أوراقها، واستثمار هذه اللحظة لفرض حضورها على الساحة الدولية، وللشعب الفلسطيني أن يستعيد دوره في التأثير على القرارات التي تمس مصيره مباشرة. مما يعني أن تمكين السلطة الوطنية بعد فترة، كما نصت خطة ترامب، ليس نهاية الطريق، بل بداية لمشروع دبلوماسي استراتيجي يجب أن يبنى على وعي وطني حقيقي.
وإن نجاح هذه الفرصة مرتبط مباشرة بآلية التنفيذ الصارم والواضح، الذي يضمن الحقوق السياسية والإنسانية للشعب الفلسطيني، فهو وحده الذي يحول القرار من حبر على ورق إلى أداة تمكين سياسي حقيقية، أما إذا غابت هذه الآليات، فسيظل القرار وثيقة دولية لا تغيّر الواقع، وستظل غزة تواجه تحدياتها نفسها بلا أي مكاسب ملموسة.
من جهة أخرى، يجب أن يكون النضال الدبلوماسي الفلسطيني مدعوماً بتوافق عربي شامل، وبغطاء دولي رسمي وشعبي متكامل، لضمان ألا يتحول الدعم إلى غطاء لتثبيت واقع هش، بل إلى أداة لإعادة تمكين السلطة الفلسطينية وحماية الحقوق الوطنية.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا نغفل المخاطر: تنفيذ القرار بطريقة غير واضحة، أو تسليم زمام السلطة لجهات دولية دون مشاركة فلسطينية أساسية، قد يحوّل غزة إلى تجربة وصاية أو انتداب، ويقوّض أي مكاسب دبلوماسية محتملة. لهذا، كل خطوة في هذا الميدان يجب أن تكون محسوبة، استراتيجية، ومدروسة بعناية، مع فهم دقيق للرهانات الإقليمية والدولية.
باختصار نجاح قرار مجلس الأمن وفق المصالح الفلسطينية يتوقف على حكمة القيادة الفلسطينية ووعي الشعب الفلسطيني، واستعدادهما لاستثمار هذه اللحظة التاريخية. فالعمل الآن ليس قبول أو رفض، بقدر ما هو فتح حقيقي للميدان الدبلوماسي، يمكن أن يعيد صياغة الموازين لصالح القضية الفلسطينية، ويضعنا على طريق تمكين السلطة وبناء الدولة الفلسطينية على أسس السيادة والحق الوطني.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها