لم تكن الأحداث الأخيرة لمخيم "عين الحلوة" مجرّد حادث أمني عابر، بل كانت امتدادًا لمسار طويل من المعاناة التي يحملها اللاجئ الفلسطيني منذ أن غادر أرضه قسرًا. فكلّ روح تُزهق، إنما هي جزء من سياسة القهر التي يمارسها الاحتلال على الشعب الفلسطيني أينما وُجد، في الوطن أو في المنافي.
يعرف العدو قبل غيره أنّ أبناء المخيم أبرياء من كل الادعاءات التي تُلقى عليهم جزافًا. فالاتهام عند الاحتلال ليس أداة بحث عن الحقيقة، بل وسيلة لإخفائها، ومبرّرا دائما لاستهداف شعبٍ يريد أن يعيش فقط بكرامة. هذا المخيم المحاصر باللجوء والبؤس، لم يطلب يومًا أكثر من أن يتنفس حياةً تليق بإنسانيته، فإذا بالقهر يطارده حتى في أزقّته الضيقة التي بالكاد تتسع لخطوات الأطفال.

أزقة تنبض بالحياة.. ودمٌ لا يعرف التجزئة
إنّ أحياء المخيم متلاصقة كوجوه الناس فيه؛ القرب بين البيوت ليس عمرانيًّا وحسب، بل اجتماعيا وإنسانيا أيضًا. فالدم هنا ليس ملكية فردية، بل هو امتدادٌ لجذورٍ واحدة، وهويّة واحدة، ووجع واحد. حين سقط جرحى وشهداء ليلة (18 - 11 - 2025)، ارتجفت كل البيوت، فالحزن في المخيم لا يقف عند بابٍ دون آخر.

فشلٌ في إسكات الشاهد والشهيد
لم يأتِ هذا القتل ليحصّد أرواحًا فقط، بل ليضرب الشاهد: المخيم ذاته، الذي بقي شاهدًا على نكبة لم تُطوَ صفحتها بعد. فالمخيم هو الحقيقة التي فشل الاحتلال في محوها من السجل، مهما فرض من روايات.
.....

مُخَيَّمٌ يكْتحِلُ بالشُّهداءِ
يُقِيمُ حَدَّهُ على مُحْتلٍّ غاشِمٍ
بكرامةٍ عالِيَةٍ
بِدماءٍ طاهرةٍ
تروي وَجَعًا وخُذْلانًا
مُحتلٌّ لقِيطٌ
يَعلَمُ بأنَّ الصُّمودَ مخيم
يَعلَمُ بأنَّ العزْمَ
فلسطينيُّ الهويَّةِ
فكيف لفلسطينَ أنْ تُقهرَ
أنْ تعودَ أدْراجَها وأبناؤها من جديدٍ
تُهَجَّر

يا مُخيَّمًا أصابَ العدُوَّ في مَقْتَلٍ
يَنُوءُ بأوْجاعِه في شُموخٍ
فيهْزِم جَبروتَ عَدُوِّه

أيَّها الشهداء
لا ندركُ غيرَ الوجعِ لنَكْتُبَه
فالفرحُ هُدْنَتُه خَجولَةٌ
وطنٌ يئِنُّ على أبنائِه
شَتاتٌ أيْنعَ في القلوبِ
فلا نعرفُ يومًا مَشرِقَه مِنْ مَغْرِبِه

هي كلمات كتبتها منذ زمن، كلمات لا تكتفي بالبكاء، بل تُقاوم بالحبر وتُدوّن الحقيقة: في المخيم، كل شهيد هو عنوان فصل جديد في معركة الحرية.

وبعد..
ما حصل في "عين الحلوة" جرحٌ عميق، لكنه أيضًا شاهد على أن المخيم ما زال حيًّا، يقاوم ويصرخ ويكتب بدمائه استمرار الحكاية. فالقهر مهما اشتدّ… لن يقدر أن يهزم شعبًا وُلد من رحم العودة، ويحمل مفاتيح بيته في راحتيه أينما ذهب.
ويبقى المخيم، كما كان دائمًا: ضيقٌ في المكان.. واسعٌ في الكرامة.. لا يُقهَر.