في الخامس عشر من تشرين الثاني من كل عام، تطلّ علينا ذكرى إعلان استقلال دولة فلسطين الذي دوّى به صوت القائد الرمز ياسر عرفات من قلب الجزائر، فحوّل إرادة شعبنا الصلبة إلى وثيقة سيادية حملت ملامح الدولة الفلسطينية القادمة، ورسّخت حقَّنا التاريخي في الحرية والاستقلال فوق ترابنا الوطني.
سبعةٌ وثلاثون عامًا مضت على هذا الإعلان الذي لم يكن مجرد نصٍ سياسي عابر، بل شكّل تتويجًا لمسيرة طويلة من التضحيات، وعلامةً فارقةً في نضال شعبنا الأبي، وتعبيرًا متجددًا عن تمسّك شعبنا بحقه الطبيعي بأن يعيش حرًا كريمًا، أسوةً بشعوب العالم، في دولته الديمقراطية المستقلة، وهو الشعب الأكثر حاجة للأمن والسلام بعد عقود من القهر والاحتلال.
لقد شكّل إعلان الاستقلال الذي صدر عن المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، محطة مفصلية أسّست لمرحلة جديدة من الكفاح السياسي والدبلوماسي نحو تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على الأرض على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفتحت أمام شعبنا بابًا جديدًا لنقل كفاحه العادل إلى ساحات العالم، متحديًا العدوان وموجات الإبادة والتهجير التي تستهدف وجوده.
لكنّ هذه الذكرى التي تحمل معاني السيادة والحرية، تتجدد اليوم في ظل مشهدٍ نقيض، حيث يواجه شعبُنا تصعيدًا دمويًا وعدوانًا مستمرًا يضرب جوهر حقه في الحياة والكرامة، إذ تشهد الضفة والقدس تصاعدًا في الهجمات الإرهابية التي تشنّها قطعان المستوطنين المتطرفين بحماية جيش الاحتلال، في حين تتعرّض غزة لعدوانٍ هو الأشدّ والأوسع، إذ تشهد حرب تطهير عرقي مفتوحة تستهدف المدنيين والمنازل والمرافق الحيوية وكل مقومات الحياة في مسعى واضح لكسر صمود شعبنا.
وإزاء ذلك نحمل حكومة الاحتلال كامل المسؤولية عن جرائم وإرهاب المستوطنين الممنهجة ضد مواطنينا وممتلكاتهم ومزارعهم ومحاولاتها المحمومة لطمس هوية أرضنا ومقدساتها وتهويدها، وندعو الرئيس الأميركي إلى الالتزام بتعهداته بمنع ضمّ الضفة، والضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف عربدة المستوطنين، وإنهاء سياسة الخنق والحصار المفروض على المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.
وإذ ندين تواصل جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة نطالب بضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في القطاع، وانسحاب جيش الاحتلال، والسماح الفوري بإدخال المساعدات إلى غزة. ونشدّد على أنّ السلطة الوطنية الفلسطينية هي صاحبة الولاية الشرعية والقانونية على القطاع، بصفتها الإطار الشرعي الذي أقرّه شعبنا في مسار نضاله، والبيت الوطني الذي يحتضن الجميع ويحفظ وحدة الأرض والقرار الفلسطيني.
وفي سياق التمسك بوحدة الوطن، وانطلاقًا من دورها التاريخي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، فإنّ حركة "فتح" تجدّد تأكيدها الرفض المطلق لأي مشروع أو مخطط يهدف لتقطيع أوصال الوطن وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وتشدد على تمسُّكها بوحدة الأرض والدولة الفلسطينية باعتبارها حقًا مكرّسًا ومكفولاً وفق ما نص عليه القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ووفق ما ورد بنصٍ صريحٍ بوحدة الجغرافيا والسيادة وضرورة إنهاء الاحتلال وفق قراري مجلس الأمن 242 و338 في اتفاقيات أوسلو الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
وفي هذا الإطار ندعو الفصائل الفلسطينية كافةً إلى تغليب المسؤولية الوطنية على كل اعتبار آخر، وعدم الانسياق خلف المخططات التي تستهدف شطب الهوية الوطنية وفصل القطاع عن الضفة عبر تكريس واقع الانقسام، بل التوحد تحت مظلة الشرعية، لأن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان الوحيد في وجه التحديات الوجودية التي تواجه قضيتنا.
وفي هذه المناسبة الخالدة، وإذ نتوجّه بالتحية إلى أرواح شهدائنا الأبرار الذين رسموا بدمائهم الطريق نحو الحرية، ولأسرانا الأبطال الصامدين في وجه السجان، ولجرحانا البواسل الذين سطّروا صفحات مشرّفة من الصمود، فإنّنا نعاهد شعبنا في الوطن والشتات بأن تبقى حركة "فتح" في لبنان في طليعة الدفاع عن مشروعنا الوطني، حافظةً للثوابت، متمسكةً بالقدس، وماضيةً في النضال بكل أشكاله حتى إنجاز التحرير الكامل وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
وإنها لثورة حتى النصر
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها