في مشهدٍ صادمٍ ومعبّرٍ عن عمق الانحطاط القيمي في المجتمع الإسرائيلي، ضجّت قاعة إحدى المحاكم بالتصفيق والهتاف عند دخول مجموعةٍ من الجنود المتهمين باغتصاب أسيرٍ فلسطيني داخل معتقل سديه تيمان.
لحظةٌ لا يمكن وصفها إلا بأنها وصمةُ عارٍ أخلاقيةٌ وإنسانيةٌ مدوّية، تكشف إلى أي مدى تحوّل الاحتلال من سلطةِ قمعٍ عسكريةٍ إلى منظومةٍ مريضةٍ تُمجّد الجريمة وتكافئ المجرمين.
إن الاحتفاء العلني بهؤلاء الجنود لا يعكس انحرافًا فرديًا، بل ثقافةً راسخةً في الوعي الإسرائيلي تعتبر الفلسطينيَّ هدفًا مشروعًا لكلِّ أشكال الإذلال والعنف والانتهاك.
فحين يصبح الاعتداءُ على الأسير عملًا بطوليًا، ويتحوّل المغتصِب إلى بطلٍ قوميٍّ، فإننا أمام مجتمعٍ تآكلت فيه القيم، وتحوّلت العدالة فيه إلى أداةٍ لتبرير الوحشية.
هذا السقوط الأخلاقي ليس معزولًا عن بنية الاحتلال ذاتها، التي تقوم على نفي الآخر وسلبه إنسانيته.
فالجريمة ليست فعلًا طارئًا، بل هي امتدادٌ طبيعيٌّ لمنظومةِ احتلالٍ عنصريٍّ تشرعن القتل والحصار والاغتصاب، وتُطبعها في الوعي العام كممارساتٍ “عادية” في سياق الحرب.
لقد آن للمجتمع الدولي أن يتوقف عن ازدواجية الصمت، وأن يُدرك أن سكوته على هذه الجرائم يُسهم في صناعتها.
فالقضية لم تعد سياسيةً فحسب، بل قضيةٌ إنسانيةٌ وأخلاقيةٌ بامتياز، تختبر ضمير العالم وقدرته على التمييز بين الضحية والجلاد، بين من يُغتصب حقّه ومن يُكافأ على الجريمة.
إن ما جرى في تلك المحكمة لم يكن تصفيقًا لجنود، بل كان تصفيقًا للسقوط ذاته...
سقوطِ العدالة، وسقوطِ القيم، وسقوطِ الإنسان.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض 13/11/2025 م
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها