وجع البدايات
لم أؤمن، منذ أن ترعرعتُ على وجع هذه القضية، بالكثير من الأماني ولا بالأحلام التي تُرسم على الورق. لم يكن ذلك نكرانًا للرجاء، بل يقينًا بأن الطريق إلى الحرية ليس مفروشًا بالوعود، بل بالدمع والعرق وبأقدام حفاةٍ تمضي في دروبٍ لا تعرف اليأس.
لم يكن الخطأ هنا أو هناك، بل في العمر والزمان، وفي قلّة معايشة الحروب التي عاشها آباؤنا وأجدادنا. فقد وُلدنا في زمنٍ خمدت فيه أصوات المدافع قليلًا، لكنّ أصداءها لا تزال تسكن الجدران، وتنبض في الحكايات التي يرويها اللاجئون عن بيوتٍ تركوها خلفهم ومفاتيحٍ يحملونها بأملٍ لا يصدأ.
وجهة القلب
أمام عينيَّ، كان المقيمون في الذاكرة هم الفلسطينيون؛ الوجوه التي لا تغيب مهما تغيّر المكان، والملامح التي تعلّمتُ منها أن الصبر لا يُدرَّس في المدارس بل في المنافي. ووجهة قلبي كانت منذ البدء عرفاتية المنشأ والانتماء.
أحببتُ هذا القائد الذي عرف من أين تُورد الإبل، القائد الذي لم يساوم على الحلم، ولم يُبدّل عباءته الوطنية بأخرى مزركشة بالمناصب. كان همه الوحيد شعبه، وإمكاناته في العيش بكرامةٍ رغم جراحه، بقليلٍ من الإنصاف الذي يخفف عنهم مرارة الفقد ووطأة التهجير القسري.
هوية تولد من الألم
لم ينعم الفلسطيني يومًا بأرضيةٍ طبيعيةٍ مستقرة. الأرض التي كانت له صارت حقلًا للأسلاك الشائكة، والسماء التي حلم أن يطير فيها صارت مرصودة بطائرات العدو. لم نعلم كيف نحكم على تصرّفاته أو ردّات فعله، فالأمر متروك للبيئة الحاضنة، لتاريخٍ طويلٍ من الألم، ولألوان الطرقات التي تغيّرت تحت ضوء القمر الفلسطيني.
هذا الشعب لم يولد عاديًّا، بل خُلِق من نطفة وجعٍ وأملٍ معًا. تشرّد وتهجّر وسُلبت حقوقه أمام مرأى العالم وصمته، ومع ذلك بقي واقفًا، يواجه قهره بالحياة، وينبت من بين الركام كزهرة لوزٍ في شباط.
جيل يدفع الثمن
كنتُ أعلم أن عددًا لا يُستهان به من العرب والمسلمين قد وضع فلسطين نصب عينيه، لكني لم أرَ بأمّ عيني إلا شباب بلادي الذين يدفعون ثمن هذه الهوية، ويدافعون بشراسةٍ عن مقدسات هذا الوطن وقضيته.
هم الذين يشبهون الزيتون في صلابتهم، والمطر في عطائهم، والليل في صبره الطويل. تلك المقدسات التي تُخلّص الأمة العربية عمومًا والإسلامية خصوصًا من خجلها، لأن حفنةً واحدة من تراب الأقصى تكفي لتذكّرها بما أهملته وتناسته.
غزة.. مرآة الحقيقة
حرب غزة تحديدًا كشفت عن وجوهٍ كثيرة. رأينا فيها الصادق من الكاذب، والمؤمن من المتخاذل، والوطني من المتفرج. ضحّوا في الماضي ولا يزالون يمنحون الوطن تضحياتٍ عظيمة، كما جميع أبناء فلسطين الذين لا يملكون إلا أجسادهم دروعًا، وأصواتهم سيوفًا، وإيمانهم زادًا في معركةٍ طويلةٍ مع العدم.
لم يكن نزاعًا بين الخير والشر فحسب، ولا بين الحضور والغياب، بل بين الوطن والعدم، بين أن نحيا بعزّة أو نموت بكرامة.
الوطن الذي لا يغيب
نحن أبناء هذا الوجع الممتدّ، نحمل فلسطين في جيوبنا الصغيرة، في أسماء شوارعنا، وفي صلواتنا التي لا تهدأ. نحملها كما تحمل الأم طفلها المريض، نخاف عليه ونرجو له الحياة.
فكيف لنا أن نرسو في مرسى آخر، وجميع سفننا تؤول إلى فلسطين؟ كيف نبحث عن شواطئ جديدة، ووطننا الحقيقي لا يزال هناك ينتظرنا، يلوّح لنا بيدٍ من ترابٍ وزيتون، ويقول: عودوا... فالحنين لا يُشفى إلا بالعودة.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها