ما كُنّا ننتظر منهم اعتذارًا للشعب الفلسطيني عن منحهم منظومة الصهيونية الدينية التلمودية الذرائع لأربع حروب، وخامسها (حملة الإبادة) في السابع من أكتوبر 2023. فالاعتذار في أدبيات "جماعة الإخوان القطبية" محرم قطعيًا، ويَعدّونه رِدّة، حتى لو كان الوطن (الأرض والشعب) ضحية أفعالهم، وخبث نفوسهم، والجهل المستوطن في أدمغتهم. وحتى لو أخذنا بعض الظن (لا إثم) وتَغاضَينا عن الإثم في بعضه الآخر واعتذروا، فمحكمة الشعب ستبقى قائمة، حتى ترتاح نفوس عشرات آلاف الأطفال والأمهات والنساء والشيوخ والعجائز وحتى الرجال الأبرياء، في يوم تُطَبَّق فيه العدالة باسم الشعب الذي استُغلّ إنسانه ومكانة أرضه في سيرة التاريخ الإنساني، كما استُغلّت الرموز المقدّسة المرموقة في الثقافة الإنسانية فَكانَح الذرائع للإبادة. والمتجاهل لنداءات الضمائر الوطنية لا يُشمَل بمقولة "عفا الله عما مضى". فالأمر لم يكن مجرد خطأ أو ضعف حسابات وسوء تقدير، وإنما فعل أعظم من جريمة، وليس أدنى من جريمة انتقام مبيتة لإلغاء حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. فهم مستعدون لفعل أي شيء لإحياء مشروع "إمارتهم المسخ"، حتى لو كلف الأمر اغتيال المشروع الوطني في المهد.

الوطنية ليست مادة نظرية يمتلك المرء القدرة على حفظها عن ظهر قلب فيصبح بين ليلة وضحاها وطنِيًّا، ثم يذهب إلى أبعد حدود الادعاء والدجل باستخدام ألغاز اللغة وتفسيراتها اللامحدودة التي يسهل تمريرها على الجماهير، التي عوّدوها على غزارة المترادفات. فيمررون مقولة: "السلطة الفلسطينية هي أحد العناوين الوطنية التي لا يمكن تجاوزها"، ما يعني وجود عناوين أخرى، ليست موجودة إلا في مفاهيمهم للوطنية والمسؤولية الوطنية. لوطن أي شعب في العالم عنوان واحد؛ وللشعب الفلسطيني عنوان واحد يمثّله أينما كان وفي كل الأحوال: هو منظمة التحرير الفلسطينية، ممثله الشرعي الوحيد، والسلطة الوطنية الفلسطينية وليدها بقرار وطني على طريق الحرية والاستقلال بدولة ذات سيادة. وحتى وصف أحدهم المنظمة بـ"الوعاء" يثبت عقلية تاجر بالقضايا الوطنية المرتبطة بوسائل "إنتاج بدائل الشهداء"، وعقلية التحكم بالوعاء للسيطرة عليه وتوظيفه بمعاييره ومكاييله التي يطمح لأن تكون دولية. وهذا لن يتحقق لهم أبدًا ما دام الوطن باقٍ، فالفلاح الذي ورث أرضه أبا عن جد وأحياها بأشرف آيات التفاني العملية، مدفوعًا بالحب والوفاء والإخلاص، والارتباط الروحي والإيمان بالصلة العضوية والسرمدية بها (من الأزل إلى الأبد)، وبإرادة بلا حدود، لتحويلها إلى جنة لأجيال بعده، لا تعنيه شهادات تقدير "وطنية" قد يمنحها له من قرر فجأة تقمص دور مانح لشهادات ثناء وتقدير في الوطنية، بعد سقوطه في مستنقع يأس وإحباط وخذلان من مَن وزّع عليهم شهادات مغموسة بمزيج من مصطلحات دينية مُصنّعة من أرخص المواد في معامل جماعتهم مجانًا، لدرجة أنه قد شَكّك في مكانة القدس والأقصى لدى مئات الملايين من المسلمين في العالم، لكثرة استخدامهما عنوانًا لشهادات مُنِحت لأشخاص لا يقرّون أصلًا بمكانة القدس والأقصى في مفاهيمهم، علاوة على انشغالهم بإقحام عناصر مسلحة في حروب في أقطار عربية مجاورة لفلسطين، كانت نتيجتها ملايين الضحايا والنازحين ودمار شامل.

الفلاح الوطني بالفطرة، القارئ للحياة وقداسة الإنسان وأرضه بعقلانية المسؤول المتدبّر بواقعية وخلاصة التجارب، والمستخلص للأحكام من تقلب وانقلاب البيئات والمناخات، والناجي من لدغ ثعابين وعقارب دُسّت عمداً، يدرك مقاصدهم وأهدافهم من الترويج لموسم انسلاخ (تبديل) جلودهم. ومخطئ من يظن أنه سيمنحهم الأمان؛ فمن غدر مرة واثنتين وثلاثًا وأربعًا، لن يستقيم أبدًا. ومن يأتي اليوم متقنعًا بشهادة الوطنية، كان الأولى به النجاح في الامتحانات النظرية والعملية خلال عقود مضت— لم يتجاوز علامة الصفر في أي منها، وكثير منها كان دون الصفر بكثير.