في لحظة سياسية حاسمة من تاريخ القضية الفلسطينية، وفي ظل ترتيبات ما بعد الحرب على غزة، جاء لقاء القاهرة بين حركتَي "فتح وحماس"، برعاية مصرية مباشرة، ليكشف بوضوح المسافة الفاصلة بين مشروع الدولة ومنطق الفصيل.
ففي الوقت الذي تسعى فيه "فتح" إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشرعية والمؤسسات، ما زالت "حماس" تتعامل مع مستقبل غزة بمنطق المصلحة الحزبية الضيقة، والسيطرة الميدانية، والحسابات الفئوية المحدودة.
- فتح: رؤية دولة ومؤسسات
دخل وفد حركة "فتح"، برئاسة الوزير حسين الشيخ وعضوية اللواء ماجد فرج، اللقاء وهو يحمل رؤية واضحة تستند إلى مبدأ توحيد النظام السياسي الفلسطيني تحت مظلة الشرعية، وإعادة غزة إلى إطار السلطة الوطنية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
وقد طرحت فتح جملة من المقترحات العملية، أبرزها:
- تشكيل لجنة وطنية مشتركة لإدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية، بإشراف السلطة الفلسطينية ومتابعة مصرية.
- وضع خطة متكاملة لإعادة الإعمار من خلال مؤسسات الدولة، بما يضمن الشفافية والمساءلة.
- تنظيم إدارة المعابر والملف الأمني ضمن منظومة فلسطينية موحدة تخضع للقانون والنظام العام.
- حماس: خطاب غامض ومواقف مترددة
في المقابل، دخلت حركة "حماس" الحوار بخطاب ملتبس يجمع بين الدعوة إلى "الوحدة الوطنية" والإصرار على الاحتفاظ بواقع الانقسام القائم في غزة.
ورغم إعلانها استعدادها للمشاركة في أي ترتيبات قادمة، فإنها تجنبت الالتزام الواضح بعودة السلطة إلى القطاع، ورفضت الخوض في تفاصيل ترتيبات الأمن الداخلي أو إدارة المعابر، ما عُدّ استمرارًا في سياسة المناورة وتأجيل القرارات الجوهرية.
- الوساطة المصرية وموقف المجتمع الدولي
أكد الجانب المصري أن أي ترتيبات مستقبلية في غزة يجب أن تكون فلسطينية خالصة وتحت المظلة الشرعية، مشددًا على أن إعادة الإعمار لن تُطلق دون وجود جهة مسؤولة ومعترف بها دوليًا.
هذا الموقف ينسجم مع التوجه العربي والدولي الداعي إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني كشرط أساسي للاستقرار وإعادة بناء المؤسسات.
- بين الواقعية والمكابرة
أظهرت "فتح" في القاهرة روح المسؤولية السياسية وقدرة على التعامل بواقعية مع تحديات المرحلة، في حين بدت "حماس" عالقة في حساباتها الفصائلية الضيقة، تتجنب الالتزامات العملية وتتمسك بالشعارات.
فالمرحلة القادمة لا تحتمل ازدواجية السلطة أو الخطاب، بل تتطلب قيادة موحدة تتحدث بلغة الدولة لا الفصيل.
لقاء القاهرة لم يكن مجرد جولة تفاوضية جديدة، بل محطة اختبار حقيقية للنوايا والخيارات.
فبينما تطرح "فتح" طريقًا وطنيًا قائمًا على الوحدة والشرعية، تواصل "حماس" التردد بين الشعارات والمصالح الخاصة.
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية، يبدو أن مستقبل القضية الفلسطينية لن يُصان إلا عبر مشروع الدولة الذي تمثله "فتح"، لا عبر منطق الانقسام الذي ما زالت "حماس" تتمسك به.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها