ما بين الترهات والتراشق بالكلمات، تُخلق دوامة تنقلنا إلى الانزلاق نحو توتراتٍ وأزماتٍ جديدة، وتلقي بنا بعيدًا عن جوهر القضايا. هكذا يبدو أن أزمات المنطقة تُدار وكأنها لعبة شدّ حبال لا نهاية لها. فبدل أن تُغلق الحرب أبوابها ويُسدل الستار على هذه الحقبة المقيتة، نجد أنفسنا أمام دوامة جديدة من الاتهامات والتهديدات تُبعدنا أكثر فأكثر عن جوهر القضية. إنها سياسة إسرائيل التي تعوّدنا عليها في خلق الأزمات وإطالة أمد التوترات، سياسة تقوم على تحويل الأنظار عن أصل المشكلة، أي الاحتلال، إلى تفاصيل جانبية تُغرق الجميع في متاهة لا مخرج منها.
خلق الأزمات والتوترات هو من سمات السياسة الإسرائيلية في المنطقة، فجوهر السلوك الإسرائيلي في التفاوض يقوم على تحويل النقاش من القضية الجوهرية، وهي الاحتلال، إلى تفاصيل جانبية تُفرغ أي مسار سياسي من معناه.
في تاريخ الصراع الذي نشأ في منطقة الشرق الأوسط، مرورًا بالمحادثات المصرية– الإسرائيلية، وكذلك الأردنية– الإسرائيلية، ثم اتفاقية أوسلو وما نتج عنها من إفرازات، نجد أن الجانب الإسرائيلي ينقل المحاورين من محورٍ أساسي إلى تفرعاتٍ ومحاور متعددة تنبثق عنها قضايا متشابكة وشائكة.
ويبدو أن الوصول إلى حلولٍ حقيقية معدوم، بينما الحل الأساس الذي يُنهي كل القضايا يتمثّل فقط في إنهاء احتلال إسرائيل للأراضي التي احتلتها عام 1967، لأن كل الإفرازات الأخرى تذوب أمام مخرجات إنهاء الاحتلال.
لكن إسرائيل، في كل جولات التفاوض، تنجح في نقل المحاورين إلى تفرعاتٍ تُطيل أمد المحادثات ولا تُنهيها. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم بعد وقف إطلاق النار في غزة، لتجد نفسك أمام تساؤلٍ جديد: هل نحن أمام إدارة أزمة جديدة أم بداية حلٍّ حقيقي؟.
الحقيقة أن كثيرًا من المحللين الإسرائيليين أنفسهم يصفون هذه التصرفات الخارجة عن العرف السياسي بأنها "مسخرة"، وهذا بالفعل أدق وصفٍ يمكن أن يُطلق على سلوكياتٍ تبتعد عن المنطق والشرعية الدولية.
واليوم، وبسبب التهديدات المتكررة، لم تتبدد لدى الرأي العام أجواء الحرب بعد. فبدل أن تتجه الأمور نحو إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية لأهالي القطاع، عادت التهديدات الإسرائيلية لتتصدر المشهد من جديد، بحجة مماطلة حركة حماس في تسليم الجثامين الإسرائيلية. هذا الخطاب لا يوحي بسلامٍ قادم، بل باستمرار نهج إدارة التوتر كوسيلةٍ للضغط والابتزاز السياسي.
القضية الأساسية في غزة اليوم تتطلب جهودًا مختلفة عن المعتاد؛ فالأولوية هي تقديم إسعافٍ أوليٍّ للناس مما يعانونه. الناس يتكدسون جوعى في الشوارع، بلا مسكن، بلا مأكل، بلا مشرب، بلا تعليم، وبلا دواء. ليست مسؤولية الناس هي عدم القدرة على تسليم الجثامين، فالجريمة سببها القصف الإسرائيلي الذي أدى إلى مقتل هؤلاء الرهائن، والقصف المتهور على غزة هو الذي تسبب في دفنهم تحت الأنقاض وطمس معالم وجودهم.
فهل يُعقل أن يُطلب من أهل غزة أن يدفعوا ثمن جنون الحكومة الإسرائيلية والمسخرة التي تقودها في هذا الجزء من العالم؟ هل يُفترض أن يدفع الناس فاتورة ضياع الجثث وتدمير أدوات البحث عنها وانتشالها؟ وهل تُبرَّر العقوبات الجماعية بمنع المساعدات الإنسانية وتقليص دخولها وإغلاق المعابر؟
أسأل هنا: ماذا لو أن هذه الحكومة الإسرائيلية كانت تحكم العالم وتعاقب العالم كله دون أن ترى عيوبها؟ يقول المثل الشعبي: "لو إن الجمل شاف حُدبته لانكسرت رقبته". أعتقد جازمًا أن العالم سيضج، كما ضجّت المدن العالمية بسبب نمط إدارة الائتلاف الحكومي في إسرائيل، الذي أصبح العديد من أعضائه غير مرغوب في دخولهم دول العالم.
إن إدخال سكان غزة في متاهاتٍ لا ذنب لهم فيها هو جريمة جديدة تُضاف إلى جرائم الحرب على غزة. وعلى إسرائيل، إن كانت تبحث عن استقرارٍ حقيقي، أن تُنهي احتلالها للقطاع، وتفتح المعابر، وتُدخل المساعدات، وتُسرع في إعادة الإعمار، فذلك من الدواعي الإنسانية قبل أي اعتبارٍ سياسي.
وفي المقابل، على حركة حماس أن تُسارع إلى إنهاء كل القضايا العالقة التي تُقدّم لإسرائيل مبرراتٍ لاستمرار الحرب، ونحن ندخل في بداية فصل الشتاء. كما يجب أن تبادر إلى مباحثاتٍ جدية لتسليم غزة إلى السلطة الفلسطينية، لأن ذلك يشكّل مخرجًا حقيقيًا وكبيرًا للأزمة المستمرة في غزة، بدل التراشق الإعلامي وتكريس الانقسام أكثر مما هو عليه.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها