إعدامات حركة حماس الميدانية في قطاع غزّة، كما ظهرت في بعض المشاهد التي انتشرت على نطاق واسع خلال اليومين الأخيرين، لا يمكن قبولها أو السكوت عنها، لأنها تتنافى كلياً مع مصلحة الذين أقدموا عليها، وتسيء أيّما إساءة إلى الحالة الوطنية بكل أطيافها وتوجّهاتها، وإلى صورة فلسطين لدى ملايين من أحرار العالم الذين وقفوا إلى جانبنا بكل شهامة وشرف، من منطلق البعد الإنساني والسياسي والتحرّري في كفاح شعبنا.
صحيح أن بعض العصابات قد عاثت في القطاع فساداً، بحماية وتشجيع من قوات الاحتلال والأذرع الأمنية الإسرائيلية، وأن هذه العصابات استغلّت المأساة الإنسانية لأهلنا في القطاع بكل أشكال الخسّة والفجور، وبأحطّ الوسائل والأساليب، وبأنذل السلوكيات وأحقرها، وربما فاق ذلك كل تصوّر، إذ لعبت هذه العصابات دوراً مكشوفاً في سرقة النزر القليل من المساعدات الشحيحة التي كانت تدخل القطاع أحياناً.
وصحيح أيضاً أن هذه العصابات شكّلت «عيوناً» خاصة للاستخبارات الإسرائيلية عن تحرّكات المقاومين وأماكن تواجد بعض القيادات الميدانية، وكانت تزوّد هذه الاستخبارات بالإحداثيات والمواقع الدقيقة والمؤكّدة حول حركة المقاتلين والقيادات الوطنية عموماً. إلا أن كل ذلك لا يبرّر الطريقة التي تصرّفت بها الحركة أو بعض عناصرها، بصورة لا تخلو من الروح الانفعالية والانتقامية البعيدة كل البعد عن التقاليد الوطنية، وعن مبدأ إخضاع كل من أجرم بحق الشعب والمقاومة لسلطة القانون، مهما كانت الحالة القانونية في القطاع ضعيفة وهشّة بحكم حالة الدمار التي تعرّضت لها الشرطة والمحاكم وأجهزة إنفاذ القانون.
فالإعدامات الميدانية لا تستجلب سوى المزيد من التوتّر، والمزيد من إذكاء روح الانتقامات المتبادلة، والمزيد من الاستخفاف بسيادة القانون، وتحويلها إلى مجرد شعارات خالية من المضمون.
الإعدامات الميدانية ليست مطلقاً الطريقة الأنسب لمحاسبة كل من طعن الشعب أو نذر نفسه لخدمة دولة الاحتلال المجرمة وجيشها الفاشي الذي أمعن في قتل النساء والأطفال في القطاع. كما أنها ليست الطريقة المثلى لردع هذه الفئات الضالّة التي باعت شرفها للاحتلال وتآمرت على أبناء الشعب في أصعب ظروف محنته الإنسانية المأساوية. فالإعدامات الميدانية ليست دليلاً على بأس المقاومة، لأن بأس المقاومة يكون أقوى ألف مرّة عندما يُوجَّه ضد قوات الاحتلال، لا ضد أبناء الشعب.
ومن المفترض أن تبدي قوات المقاومة والشرطة أعلى درجات الالتزام بالقوانين، وأقصى درجات الحرص على التماسك الوطني والاجتماعي، مهما كانت بشاعة الدور الذي مارسته هذه الفئات المارقة المأجورة.
تأتي هذه الإعدامات في ظل تحكّم الاحتلال بشبكات واسعة من وسائل التضليل الإعلامي، وبكل ما يمتلكه من مئات وربما آلاف الوسائل الإعلامية الفعّالة، والمواقع التي تبثّ عشرات آلاف الأخبار الموجّهة والمسمومة الهادفة إلى إيقاع الفتن وإذكاء النعرات وإثارة الحساسيات في مجتمع لم يخرج بعد من أجواء حرب إبادة بشعة، ومن صور مروّعة من الإعدامات التي تمارسها قوات الاحتلال نفسها.
أما التبريرات التي سيقت للإقدام على هذه الإعدامات، فهي وإن كانت في معظمها صحيحة ودقيقة من حيث ثبوت التهم ومدعومة بالشواهد والوثائق، فإن مكان عرضها هو المحاكم المستعجلة، لا تنفيذ الأحكام في الشوارع دون أي شكل من أشكال المحاكمة.
ولعلّ أخطر ما يمكن أن يترتّب على هذا الشكل من الفوضى هو ما يخلّفه من تأثيرات سلبية على صورة المقاومة، إذ يمنح أعداءها الذريعة لتشويهها والنيل من مكانتها، ويفتح الباب أمام حملات واسعة من التشهير، بدلاً من سدّ كل المنافذ أمام من يتربّصون بها ويفتّشون عن أي خطأ لتضخيمه والإيقاع بين الناس والمقاومة.
وإذا كانت كل هذه المحاذير ماثلة أمام الجميع، فما الفائدة التي يمكن أن تجنيها حماس من هذه الإعدامات الميدانية؟ الحقيقة أنه لا توجد أي فائدة تُذكر، بل إنها ممارسات ضارّة ومسيئة، لا تخدم وحدة المجتمع، ولا تقدّم في البعد السياسي أو الاجتماعي سوى نموذج سلبي عن دقّة وحساسية الأوضاع، وعن ضعف التعاطي الوطني المسؤول معها.
المطلوب فوراً هو وقف هذه الممارسات، وفتح تحقيق رسمي وجدّي لتحديد المسؤوليات بشجاعة وموضوعية، ومحاسبة كل من أمر بها أو أشرف على تنفيذها أو استغل حالة الفلتان للقيام بها، لما تمثّله من خدمة مجانية للاحتلال، إذ تُظهر العصابات الإجرامية وكأنها مجرّد «ضحايا» لتلك الإعدامات.
وعلى حماس أن تجري تحقيقاً جادّاً ورسمياً يسبقه اعتذار علني، لأن الشكل الذي بدت عليه هذه الإعدامات كان استفزازياً ومرفوضاً بكل المقاييس، مهما كانت الأسباب والمبرّرات والظروف.
كما عليها أن تدرك أن قطاعات واسعة من الناس، حتى وإن كانت ناقمة على تلك العصابات، فإنها من موقع الحرص على المجتمع والسلم الأهلي، لا ترى في هذا الشكل من الإعدامات سوى حالة انفعال وفلتان لا تنتمي إلا إلى ذهنية قمعية وانتقامية فئوية نحن بأمسّ الحاجة إلى نبذها ولجمها والتخلّص منها، وتنحيتها كلياً عن قاموس العلاقات الوطنية والسياسية والاجتماعية في المجتمع الفلسطيني.
فإذا كانت حماس قد أقدمت على هذه الإعدامات بقرار منها، فعليها أن تتحمّل مسؤوليتها، وإن كانت قد تمت دون علمها، فعليها أن تسارع إلى تقديم كل من نفّذها إلى العدالة، حتى وإن كانت المحاكم معطّلة أو مقارّ الشرطة مدمّرة، فهذا لا يعفيها من المسؤولية، بل يزيدها.
لا أحد يصدق أن الحركة التي احتفظت بالأسرى الإسرائيليين لعامين كاملين في الأنفاق دون أن تتمكن استخبارات العالم من الوصول إليهم، عاجزة عن الاحتفاظ بهذه العصابات حتى تتوفّر ظروف أفضل لمحاكماتهم لاحقاً.
حديث حماس عن التصدّي للفلتان الأمني حديث صحيح بقدر ما يتعلّق بالضبط الأمني المطلوب في هذه المرحلة، لكن الإعدامات الميدانية ليست هي الحل، بل هي الوجه الآخر للفلتان الأمني ذاته.
على حماس أن تتعامل مع هذا الملف الخطير والحسّاس بأعلى درجات المسؤولية والسرعة، لأن إبقاء الشارع الفلسطيني في حالة قلق وترقّب من هذا الشأن تحديداً يُعدّ من الكبائر السياسية في هذه المرحلة الصعبة.
والسؤال الذي يُطرح الآن: لماذا تعطي حماس الذرائع لتوحيد كل من يتربّص بها وبالمقاومة وبالمشروع الوطني؟ وهل نسيت أن المشروع المعادي يهدف إلى تفتيت المجتمع الفلسطيني في القطاع لتحقيق أهدافه بوسائل عجز عنها خلال عامين كاملين من الحرب الشرسة على شعبنا؟.
إذا لم يُمسك شعبنا بالحلقة المركزية في صراعه مع مشروع فصل القطاع عن الضفة الغربية وتدمير مشروعنا الوطني عبر هذا الفصل، وعبر تحويل القطاع إلى منطقة منزوعة الهوية بكيانية منفصلة عن الكيان الوطني الواحد، فإن جبهة أعداء شعبنا ستنجح في تحويله إلى معول هدم للمشروع الوطني، بعد أن تحوّل في ضوء هذه الحرب إلى مركز ثقل في إعادة انبعاث الحالة الوطنية والمشروع الوطني بزخم كبير قادر على تجاوز كل مخططات الأعداء وإجهاض محاولاتهم المكشوفة. الانتباه يا حماس، ثم الانتباه، ثم الانتباه.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها