منذ طرح الرئيس ترامب خطته لوقف الحرب في قطاع غزة، تحت طائلة التهديد بتدمير وإبادة ما تبقى من البنى الفوقية والتحتية في مدينة غزة، والمضي في دعم وتمكين وحماية مجرمي الحرب الإسرائيليين في ارتكاب جرائم الإبادة والتطهير العرقي بحق أبناء الشعب الفلسطيني المدنيين، إذا لم تبادر حركة حماس بالموافقة على إطلاق سراح المحتجزين خلال مدة ثلاثة أيام ونزع السلاح، تساءل الجميع من سياسيين وقادة أحزاب ومفكرين ومحللين سياسيين وقادة دول: ما هي عوامل انقلاب ترامب على موقفه الرافض لوقف العدوان عبر استخدام تعسفي للفيتو، إلى موقف الداعم والمتبني لوقف العدوان الهمجي الوحشي؟
لا أحد يملك المعلومة اليقينية، لكن الشواهد والوقائع تشير إلى دوافع لهذا التغيير، منها:
- أولاً: الدعم الأميركي السياسي والاقتصادي والعسكري للكيان الاستعماري الإسرائيلي في استراتيجيته العدوانية التوسعية، واستمراره في حرب الإبادة والتطهير العرقي بحق المدنيين الفلسطينيين وتدمير الأعيان المدنية، مما أدى إلى تراجع شعبية ترامب في أوساط الشعب الأميركي.
- ثانيًا: فقدان أميركا لمصداقيتها على الصعيدين الشعبي والرسمي، ما أدى إلى تراجع حقيقي لنفوذها على الساحة العالمية، وإن بدا للبعض غير ذلك.
- ثالثًا: عدم احترامها لدورها ومسؤوليتها في قيادة العالم على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وكدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن تضطلع بواجب إعمال مبادئ وأهداف وميثاق الأمم المتحدة عمليًا ودون ازدواجية. وما دعمها للكيان الاستعماري الإسرائيلي في رفضه تنفيذ أي من القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية، إلا دليل على سياستها في توظيف مكانتها الدولية لتحقيق مصالحها بالترغيب والترهيب، دون النظر إلى ما تؤدي إليه قراراتها من تقويض للأمن والسلم الإقليمي والدولي، في انتهاك صارخ لمبادئ وأهداف الأمم المتحدة.
- رابعًا: انفضاض غالبية دول العالم عن التصويت في مؤسسات الأمم المتحدة لصالح المشاريع الأميركية، أو الانقياد التلقائي لمواقفها في مجلس الأمن والجمعية العامة. وما التصويت بإجماع أربع عشرة دولة من أعضاء مجلس الأمن مقابل الصوت الأميركي الوحيد الرافض، وتصويت الجمعية العامة بأغلبية ساحقة تجاوزت 80% خلافًا للرغبة الأميركية وأداتها إسرائيل، إلا دليل على العزلة الدولية التي تعيشها الولايات المتحدة وربيبتها الكيان الاستعماري الإسرائيلي.
- خامسًا: نجاح مؤتمر نيويورك الأول والثاني الدولي لتنفيذ حل الدولتين، أي تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، والذي دعت إليه المملكة العربية السعودية وفرنسا، ودعم مخرجاته التي أقرتها الجمعية العامة بأغلبية ساحقة، ومعارضة عشر دول بينها أميركا وإسرائيل، ما أدى إلى زيادة العزلة الأميركية والإسرائيلية، وتداعيات سلبية على مصالح ونفوذ أميركا في العالم عامة، والعالمين العربي والإسلامي خاصة.
- سادسًا: العدوان الإسرائيلي على دولة قطر وعدم تصدي أميركا لذلك عبر قاعدة العديد المقامة على الأراضي القطرية، سواء تجاه الطيران الإسرائيلي أو من خلال إبلاغ قطر بالمعلومات، مما أدى إلى تصاعد التوجه نحو الانفكاك عن المظلة الأميركية التي ثبت أنها تضحي بأقرب حلفائها وأصدقائها لمصلحة دولة مارقة، حتى لو كانت تنفذ مشروعًا أميركيًا. وقد تولدت قناعة لدى صانع القرار الأميركي بأن نفوذ أميركا في الوطن العربي والعالم الإسلامي ماضٍ نحو الاضمحلال في حال استمرار هذا الموقف المتعالي تجاه المنطقة، ما يعزز دور القطبين الروسي والصيني الصاعدين.
- سابعًا: فشل الرئيس ترامب في تحقيق وعوده بإنهاء الحروب والصراعات، رغم ادعائه إنهاء سبع حروب خلال ولايته، خاصة في أوكرانيا وفلسطين، مما كشف عجزه عن إدارة العالم وفرض قراراته بمجرد تصريح أو تغريدة. وما طموحه في نيل جائزة نوبل للسلام لمجرد الرغبة، دون استيفاء المعايير، كما ذكرت وسائل إعلام دولية، إلا مثال واضح على ذلك.
- ثامنًا: تنامي الشعور لدى الدولة العميقة في أميركا بأن إسرائيل باتت عبئًا على حماية وضمان المصالح الأميركية، وفشلها في لعب دور "الشرطي السيئ" لإرهاب المنطقة وتركيعها، ما استدعى استدارة أميركية خفيفة تضمن استمرار الدور الإسرائيلي المستقبلي من منطلق القوة، ومحاولة احتواء الموقف العربي والإسلامي والدولي المندد بالموقف الأميركي الداعم للكيان الإسرائيلي وجرائمه وتحديه للمجتمع الدولي.
ويتمثل ذلك في دعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، مقابل وقف العدوان على غزة وإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين، مع كفالة السيطرة الأميركية المباشرة وغير المباشرة على قطاع غزة عبر تشكيل مجلس "السلم العالمي" لإدارة القطاع سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا برئاسة ترامب، في تغييب واضح لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. هذه الخطة تشكل صورة قبيحة لمخطط ترامبي يرمي إلى تقويض الحق الأصيل للشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، كما كفلته المواثيق الدولية.
إن ما سبق مجرد بعض العوامل التي دفعت الرئيس ترامب لطرح خطته، التي لا تعدو كونها صك استسلام وإخضاع للشعب الفلسطيني والدول العربية. فكيف يمكن أن يصف حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته بأنه "طموح وأمل"، بما يعني إنكار هذا الحق الأصيل أسوة بباقي شعوب العالم؟ كما تحاول خطته إضفاء الطابع الإنساني لا الوطني على الصراع العربي – الصهيوني، بوصف الشعب الفلسطيني مجرد "سكان"، وهو ما ورد صراحة في البند العشرين من خطة ترامب.
إن الترحيب الفلسطيني والعربي والإسلامي والعالمي بجهود ترامب لوقف الحرب لا يعني بأي حال الموافقة على باقي بنود خطته، إذ ربطت جميع البيانات والمواقف المرحبة بوجوب التوصل إلى اتفاق يكفل إنهاء الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي لأراضي الدولة الفلسطينية المعترف بها دوليًا، وتمكين الشعب الفلسطيني من التمتع بحقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، تنفيذًا لقرارات مجلس الأمن 242 و2334، وقرار الجمعية العامة رقم 10/24 الصادر في 18 سبتمبر 2024، الذي رفضت إسرائيل الاعتراف به متحدية المجتمع الدولي ومحكمة العدل الدولية وقرارات الجمعية العامة 181 و194، وهي السبيل الوحيد لتحقيق سلام شامل وعادل يضمن الأمن والسلم الإقليمي والدولي.
المجتمع الدولي مطالب بالتصدي للسياسة الأميركية التي تنتهج فرض سياسة الأمر الواقع بالقوة العسكرية بعيدًا عن قوة الحق، وبرفض مقولة ترامب ومعه نتنياهو بأن "السلام يأتي بالقوة"، فالسلام لا يتحقق إلا عبر تجسيد الحق والعدل.
وتقع على عاتق الدول المشاركة في الاجتماع مع الرئيس ترامب أو في مراسم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار على قطاع غزة مسؤولية كبرى في ممارسة الضغوط عليه للعمل على:
إلزام سلطات الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي بإنهاء احتلالها لجميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة تنفيذًا لواجباتها كدولة عضو في الأمم المتحدة، ووفقًا للمادة 25 من الميثاق.
إلزامها بعدم استخدام الفيتو بشكل تعسفي، والذي حال دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية كعضو عامل في الجمعية العامة، احترامًا للمادة الرابعة من الميثاق.
تحديد جدول زمني قصير المدة للانسحاب الكامل من أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة والمعترف بها من قبل 160 دولة.
الإعراب عن العزم على اتخاذ الإجراءات العقابية اللازمة بحق إسرائيل، وصولًا إلى تعليق عضويتها في الجمعية العامة في حال رفضها تنفيذ التزاماتها الواردة في الميثاق ورفضها تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
دون ذلك، سيكون الاحتفال مجرد بهرجة إعلامية لإرضاء غرور ترامب ورؤيته بدمج الكيان الاستعماري الإسرائيلي في الوطن العربي والعالم الإسلامي دون أي إجراء عملي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
إن الخطر الإسرائيلي المدعوم أميركيًا بات حقيقة، بعد تصريح نتنياهو بأن أمامه "مهمة روحانية تاريخية" بإقامة إسرائيل الكبرى، مما يستدعي أن تضع الدول العربية والإسلامية أمنها ومصالحها واستقرارها في كفة، مقابل المصالح الأميركية في الكفة الأخرى.
إن الشعب الفلسطيني يرفض إقصاء منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد له، ويرفض أي مشروع يتجاهل هذا التمثيل ولا يحقق له الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها