رغم ما يعتقده ويروّجه البعض عن تغيّر في الموقف الأميركي تجاه إسرائيل، فإن جوهر السياسة الأميركية في المنطقة لم يتبدل، بل يُعاد تموضعه بما يخدم استمرار الهيمنة الأميركية وإعادة صياغة البنية الإقليمية دون المساس بالدور الوظيفي لإسرائيل. فإدارة ترامب الحالية في واشنطن، وإن كانت تحاول التخفيف من حدّة الانتقادات الدولية التي تواجهها نتيجة الإبادة الجماعية في غزة ووعي شعوب العالم تجاهها، إلا أنها في الجوهر لا تسعى إلى إنهاء الاحتلال أو تحقيق تسوية سياسية عادلة تقوم على أساس حق تقرير المصير لشعبنا الفلسطيني، بقدر ما تعمل على إعادة إنتاج إدارة الصراع بصياغات جديدة تحفظ لإسرائيل تفوقها بغضّ النظر عمّن يحكمها، وتبقي على الواقع الاستعماري القائم بواجهات وعناوين مختلفة.

في هذا السياق، وامتدادًا لخطة ترامب حول غزة التي ستدخل مرحلتها الثانية المفخخة، رغم الأهمية الإنسانية المطلقة لوقف الإبادة والتهجير، وفي حال لم ينقلب عليها نتنياهو أو ترامب نفسه، فمن المرجّح أن تطرح الولايات المتحدة مشروعًا سياسيًا أقصى ما يمكن أن يقدمه هو شكل دولة فلسطينية ممسوخة على هيئة “قطعة جبنة سويسرية” ومعازل خالية من مضمون السيادة الوطنية، ومنزوعة من أدوات السلطة الحقيقية ومن الحدود الواردة في القرارات الأممية بما قبل 4 حزيران 1967 وعاصمتها القدس، مع الإبقاء على واقع تهويد القدس والأغوار والتجمعات الاستيطانية الكبرى والسيطرة على الحدود والموارد في باطن الأرض والمياه. إضافةً إلى تفكيك واقع التراث الكفاحي والتمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية وما تحتضنه من فصائل العمل الوطني، وفي مقدمتها حركة “فتح” بمفهومها المفترض كحركة تحرر وطني.
هذا لا يختلف جوهريًا عمّا ورد في رؤية ترامب الأولى ضمن ما عُرف بـ"صفقة القرن"، وإنما بثوب مختلف يعتمد خطاب "الاستقرار والتنمية" بدلاً من خطاب "السلام"، ويدمج البعد الاقتصادي والإنساني كغطاء بأشكال تُسمى "حلولاً سياسية" لتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، من خلال المراهنة أيضًا على انخراط دول عربية وإسلامية جديدة في مسار التطبيع الإبراهيمي.

تنطلق هذه الرؤية من الفهم الأميركي لمفهوم "الدولة" ككيان إداري–أمني وظيفي يخدم ترتيبات السيطرة الإقليمية، بعيدًا عن جوهر مفهوم الدولة الوطنية المستقلة في القانون الدولي القائم على وحدة الأرض والسكان والسيادة والحرية الوطنية. فالدولة، في المنظور الأميركي، ليست أداة للتحرر، بل وسيلة للضبط والتحكم، تُقاس قيمتها بمدى اندماجها في منظومة المصالح الأميركية، لا بمدى انتمائها إلى المصالح الوطنية لشعبها ومنظومة الشرعية الدولية، كما يظهر في تجارب مختلفة حول العالم وفق السياسات الأميركية المتعددة حتى اليوم، وآخرها المحاولات الجارية بحق فنزويلا كمثال لا على سبيل الحصر.

وفي ظل هذا التوجه، يمكن ملاحظة تقاطعات وظيفية بين المشروع الأميركي وبعض التيارات الإسلاموية السياسية أو البيروقراطية المحلية الوطنية ذات النفوذ الاقتصادي والاجتماعي والمالي، كما حدث في محاولات سابقة خلال فترة الاحتلال المباشر، مثل مشروع "الكيان الفلسطيني" أو "روابط القرى".
التيار الأول، المرتبط جزئيًا بالحركة العالمية للإخوان المسلمين، يُستخدم كقوة عابرة للحدود قادرة على اختراق المجتمعات المحلية وإعادة إنتاج شرعيات جديدة تتناسب مع نموذج "الدولة المرنة" الخاضعة للنفوذ الخارجي. فهذه التيارات، التي لا تؤمن أصلاً بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة، ترى في هذا الانخراط فرصة لاستعادة حضورها عبر خطاب ديني- أخلاقي يتجنب مواجهة جوهر السيطرة الاستعمارية، ويوفر لها موقعًا سياسيًا بديلاً عن حركات التحرر الوطني أو الاجتماعي.

بهذا المعنى، تتحول بعض القوى الإقليمية التي تحتضن هذا الفكر إلى أذرع مكملة للمشروع الأميركي- الإسرائيلي في إعادة صياغة المنطقة، مثل قطر وتركيا. فإحداهما تلعب دور الوسيط والمموّل والغطاء الإعلامي تحت شعارات إنسانية وتنموية، بينما تقدم الأخرى النموذج السياسي الذي يروّج لمفهوم “الإسلام السياسي المعتدل” المتكيّف مع النظام الدولي. غير أن الولايات المتحدة، في المقابل، لا تتردد في التخلص من هذه الحركات أو تحجيم أدوارها متى انتهت وظيفتها، كما حدث في تجارب مختلفة حول العالم، حين تحولت تلك القوى إلى عبء على مشروع إعادة الهيكلة الإقليمي.

وفي داخل بعض القوى الفلسطينية ذات المرجعية الإسلامية، يبرز صراع يعكس هذا التناقض بين اتجاهين مختلفين في الرؤية والموقع: أحدهما يميل إلى البراغماتية والانخراط في الترتيبات الإقليمية عبر الوساطات الخارجية وإدارة الواقع القائم، والآخر يحمل رؤية وطنية مقاومة ذات بعد تحرري تسعى إلى ربط المشروع الفلسطيني بجوهره الوطني الجامع ورفض تحويله إلى كيان قابل للاحتواء ضمن هندسة ما بعد الحرب.
فاستهداف رموز هذا الاتجاه المقاوم لم يكن مجرد عمل أمني، بل محاولة لضرب البعد الوطني داخل الحركة، وإبقاء غزة ضمن معادلة "الإدارة الانتقالية" التي يجري إعدادها بإشراف مجلس السلام الذي يرأسه ترامب، وتنفذه مؤسسات مثل GITA في إطار سلطة انتقالية دولية تفوّض نفسها بكل الصلاحيات دون حق اعتراض من جهات محلية، أو مشاركة منظمة التحرير صاحبة الولاية الجغرافية والسياسية وفق الشرعية الدولية أو حتى وفق اتفاق أوسلو الذي رعته وقدّمت ضماناته أميركيًا وتنكرّت له. كما أن القوة الأمنية متعددة الجنسيات، التي بدأت طلائعها العسكرية الأميركية بالوصول إلى إسرائيل اليوم، ستكون برئاسة تنفيذية لتوني بلير، عرّاب وغراب حرب العراق وغيرها من المآسي.

وفي الحالة الثانية، لا يمكن تجاهل قوى التيار البيروقراطي أو كما تسمّى في مفاهيم الاقتصاد السياسي اليوم "الأوليغارشيا" داخل بعض الأوساط الوطنية، التي سعت وما زالت إلى تفريغ الحركة الوطنية من مضمونها التحرري وتحويلها إلى إدارة بيروقراطية تدافع عن مواقعها داخل منظومة النفوذ المحلي، ما جعلها موضوعيًا جزءًا من بنية السيطرة التي يُراد إعادة إنتاجها أميركيًا تحت عناوين "الإصلاح" و"الحوكمة" و"الاستقرار".

إن هذا التلاقي بين التيارات الإسلاموية الوظيفية والبنى البيروقراطية المحلية على المستوى العربي والإقليمي لا يمثل تحالفًا عقائديًا، بل تلاقيًا وظيفيًا منفصلًا غير متعاون بأدوار وأهداف مختلفة، لكنه في جوهره يؤدي إلى تجاوز المشروع الوطني وتفكيك فكرة الدولة الوطنية العربية ذات السيادة، واستبدالها بكيانات هشّة قابلة للضبط من الخارج ومفرغة من مضمونها التحرري الوطني والسيادي، بحيث تبقى إسرائيل محور التوازن وضمانة استمرار النفوذ الأميركي في المنطقة. وقد بدأت محاولات ذلك مع ما سُمّي بـ"الربيع العربي" وفق الخطة الأميركية آنذاك، وما تبع ذلك بأساليب مختلفة.

وما يجري اليوم في غزة، وما تحاول الولايات المتحدة تمريره في الضفة الغربية، ليس معزولاً عن هذا المسار، بل يشكّل المرحلة الأكثر قسوة ووضوحًا في مشروع إعادة ترتيب الإقليم بعد التجربة السورية التي كانت المختبر لذلك، وقبلها كانت العراق وليبيا. ففي سوريا، تم استخدام الحركات الإسلاموية المسلحة كأدوات لتفكيك الدولة الوطنية وإعادة رسم حدود النفوذ الإقليمي بين القوى الكبرى التي استفادت من التدمير ومن ثم إعادة البناء والإعمار عبر شركاتها العابرة للقارات وبالتعاون مع أدوات محلية ذات نفوذ، تمامًا كما يُراد اليوم لغزة أن تكون بوابة لإعادة إنتاج كيان فلسطيني هش يمكن أن يمتد إلى الضفة إذا لم يتم تدارك ذلك وطنيًا، يخدم الترتيبات الأمنية والاقتصادية الجديدة في الشرق الأوسط التي تسعى إليها الولايات المتحدة بهيمنتها عبر مصالح الاستخدام الإسرائيلي وبعض الفتات لتلك القوى.

لقد غيّرت كارثة غزة وجه الصراع، وأظهرت حدود المشروع الغربي الاستعماري الذي يواصل تجاهل جذور الاحتلال الإسرائيلي وطبيعته الاستعمارية، ومحاولاته المستمرة لإدامة التفوق الإسرائيلي عبر مشاريع "سلام اقتصادي" أو "إدارة إنسانية" لا تمسّ جوهر المسألة الوطنية التحررية الفلسطينية.

إن المأزق الحقيقي الذي يواجه المشروع الوطني التحرري الفلسطيني اليوم لا يكمن في موازين القوى وحدها، بل في مأزق الوعي ذاته. فقد جرى تفكيك مفهوم التحرر الوطني ليُختزل في إدارة الواقع أو تحسين شروط المعاناة تحت شعارات "الواقعية السياسية" أحيانًا أو "البراغماتية" المفرغة من مضمونها السياسي أحيانًا أخرى. وتحوّل الانقسام الأسود وتغييب الديمقراطية الانتخابية وتعطيل التوافق الوطني الممكن إلى أداة لإعادة إنتاج التبعية للاشتراطات والأجندات الإقليمية، بدل أن يكون لحظة نقدية تستوجب مراجعة وطنية واسعة تعيد تعريف المشروع الوطني الفلسطيني في حالتنا الراهنة وفق المتغيرات الدولية والإقليمية.

إنّ الخطر في المشروع الأميركي ليس فقط في هندسة الجغرافيا، بل في هندسة العقول، حين يُراد لنا أن نقبل بالقيود بوصفها استقرارًا، وبالهيمنة بوصفها شراكة. لذلك فإن معركة الوعي اليوم هي جوهر معركة التحرر، إذ لا يمكن بناء مشروع وطني مقاوم ما لم يتحرر العقل من منطق الوكالة والارتهان، ويستعيد الفلسطيني وعيه بدوره كصاحب حق لا كمتلقٍ للحلول المفروضة نتيجة أخطاء التأخير في عملية الوحدة والإصلاح المفترض أن تقوم على أساس القرار الوطني المستقل، سواء في مؤسسات منظمة التحرير كممثل شرعي، أو في مؤسسات السلطة التي كان من المفترض أن تتحول منذ زمن إلى دولة تحت الاحتلال وفق القانون الدولي والقرارات الأممية واعترافات العالم بها، وتعاظم التضامن الشعبي الدولي غير المسبوق، وصمود شعبنا أمام انكشاف حقيقة المشروع الصهيوني الإحلالي، إضافة إلى ضرورة التخلص من مظاهر الفساد.

فالوعي الوطني هو الشرط الأول للحرية، كما أن الوحدة ليست شعارًا تنظيميًا، بل فعل تحرري متجدد يستعيد المعنى الحقيقي لفلسطين، فكرةً ومصيرًا وهويةً وطنيةً وإنسانيةً تحرريةً جامعة. فهل نعي ضرورات ذلك بما تبقّى لنا من وقت قبل أن يجرفنا التيار؟.