قبل وبعد مصادقة حكومة الائتلاف الإسرائيلي، ليل الخميس 9 تشرين الأول/أكتوبر، على خطة الرئيس دونالد ترمب، والشروع في تنفيذ المرحلة الأولى منها يوم الجمعة، أُثير سؤال من قبل العديد من أصحاب الرأي والمعلقين والباحثين السياسيين: هل ستصطدم الخطة بعقبات من الأطراف الموقعة والضامنة لها أم لا؟ وما هي العقبات التي تهدد تنفيذها؟ وهل هناك من ضامن يمنع انهيارها؟ وماذا لو غاب هذا أو ذاك الضامن، وخاصة الرئيس الأميركي؟ من سيلزم إسرائيل بتنفيذ الخطة؟.

من المؤكد أن من يعرف تاريخ دولة إسرائيل، وتاريخ اليهود عمومًا منذ اعتناقهم الديانة اليهودية، يدرك أنهم جادلوا الله ورسوله موسى عليه السلام، وفرضوا على هارون شقيقه، وهو الفصيح الذي اختير شريكًا له في حمل رسالة الدعوة، أن يسايرهم في العبث بدين الله. وكما جاء في القرآن الكريم، لم يفوا بأي عهد من العهود. وفي التاريخ الحديث، لم تلتزم دولة يهود الخزر الصهاينة بأي اتفاق أبرم مع الدول العربية أو غير العربية. وحتى عندما وقعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين اتفاقية أوسلو في 13 أيلول/سبتمبر 1993، وبعد تأسيس السلطة الوطنية عام 1994 والبدء بتنفيذ مراحل الاتفاقية وفق الروزنامة الزمنية المحددة، أعلن رابين صراحة: "لا تواريخ مقدسة في التنفيذ". فما بالنا اليوم في ظل حكومة إسرائيلية متطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو، المسكون بإدامة سياسات الإبادة الجماعية لأسباب شخصية وسياسية ولاهوتية، وقد أُرغم على الموافقة على خطة الرئيس الجمهوري؟ من الطبيعي أنه سيحاول الالتفاف على كل بند في الخطة بهدف تعطيلها ووضع العراقيل في طريقها.

من بين النقاط التي بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي طرحها مع ائتلافه، كان أولاً الاعتراض على الإفراج عن عدد من قادة الحركة الأسيرة الفلسطينية، منهم: مروان البرغوثي، وأحمد سعدات، وعباس السيد، وعبد الله البرغوثي، وحسن سلامة، وإبراهيم حامد، بذريعة "عدم الإفراج عن أسرى الحرية الملطخة أيديهم بالدماء الإسرائيلية". وقد تجاهل نتنياهو وحكومته أن أيدي الغالبية الساحقة من جنود الجيش الإسرائيلي وقادة إسرائيل السياسيين والعسكريين والأمنيين ملطخة بالدماء الفلسطينية والعربية، ومع ذلك لم تطرح القيادات الفلسطينية مثل هذه الذرائع في أي عملية تبادل، انطلاقًا من مبدأ أن عمليات تبادل أسرى الحروب والصراعات لا تتضمن مثل هذه الاشتراطات، لأنها تتناقض مع مبادئ حل الصراعات وبناء ركائز السلام بين الدول أو بين الثورات الوطنية والدول الاستعمارية.

ورغم أن ستيف ويتكوف، المبعوث الأميركي الخاص للرئيس ترمب، تعهد بإقناع إسرائيل بالإفراج عنهم بعد لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي الخميس الماضي، فإنه تراجع عن تعهده، الأمر الذي يفرض على الوسطاء العرب (مصر وقطر) وتركيا إلزام إسرائيل بالإفراج عنهم، ووضع حد لسياسة المماطلة والتسويف الإسرائيلية، وإجبار نتنياهو على تنفيذ جميع البنود دون تعطيل، بما في ذلك الإفراج عن قادة الحركة الأسيرة الأبطال.

ثانيًا، طرح زعيم الائتلاف الإسرائيلي ذريعة أخرى أكثر فجاجة، عندما جعل من "إذا الشرطية" معيارًا للعودة إلى الإبادة الجماعية، إذ قال إنه إذا لم تلتزم حركة حماس بتنفيذ أي بند من بنود الخطة، فسيعود مجددًا إلى دوامة الحرب، دون أن يطالب الدول الضامنة بالتدخل لإلزامها بالتنفيذ. وهنا وضع نفسه قاضيًا ومقررًا لما يجوز وما لا يجوز، وما هو مقبول وغير مقبول، بما يعني أنه في كل لحظة يمكن أن يضع التفسير الذي يناسبه لكل بند للتهرب من الالتزامات، تحقيقًا لرغباته الشخصية وخشية من عصا أركان ائتلافه، وخاصة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذين هددا بالانسحاب من الحكومة التي هي أساسًا حكومة أقلية برلمانية بعد انسحاب حزب شاس وكتلة "يهودت هتوراه" منها، نتيجة أزمة تجنيد طلاب المعاهد الدينية اليهودية، رغم أن القوتين لم تصوتا لصالح أي مشروع قرار لحجب الثقة عن الحكومة.

ثالثًا، يمكن لنتنياهو أن يتنصل من الخطة في حال خرج الرئيس ترمب من رئاسة الإدارة الأميركية لأي سبب داخلي، خاصة أنه معرض لهزات سياسية نتيجة سياساته المثيرة للجدل في الداخل الأميركي، فضلًا عن ملاحقته في العديد من القضايا أمام القضاء الأميركي. وإذا ما تم اغتيال الرجل أو أُزيح عن المشهد السياسي، فلن يوجد ضامن فعلي قادر على إلزام زعيم إسرائيل بالوفاء بتنفيذ باقي بنود الخطة.

رابعًا، إمكانية تساوق الضامن الأميركي مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، كما فعل ويتكوف في ملف الإفراج عن قادة الحركة الأسيرة الفلسطينية، واردة، لا سيما وأنها تتطابق مع نتنياهو في أهدافه، رغم أن الخطة هي خطة الرئيس الأميركي نفسه، وقد صيغت بما يتناسب مع مصالح نتنياهو وائتلافه الحاكم. وبالتالي، فإن الخطة تمر في حقل ألغام إسرائيلي–أميركي قد يفجرها في أي لحظة، رغم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هدد بفرض عقوبات غير معلنة على إسرائيل في حال لم تفِ بالتزاماتها.

وكما يعلم جميع المراقبين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب والغربيين، فإن رجل إسرائيل القوي قادر على ابتداع أي ذريعة وهمية للانقلاب على بنود خطة ترمب، ولا يمكن التنبؤ بقدرة الضامنين العرب والمسلمين على إلزام نتنياهو بتطبيق باقي بنودها. وقادم الأيام كفيل بالإجابة على هذه الفرضيات.