الشاعرة والكاتبة الفلسطينية نهى عودة

ومن سمح لهم أن يجعلوا الأرض جحيماً باسم الله؟

هذا الوجع أكبر من فرحةٍ عابرة، وأعمق من أن يُسمّى انتصارًا.
فما هكذا تُورَد الانتصارات يا حماس.

ما تركته الحرب في الأرواح لا يُقاس بعدد الصواريخ ولا بتناقص الأبنية، بل بما تبقّى من قلوبٍ لم تعرف أين تضع وجعها بعد الآن. لقد ذاق شعبنا الويلات — كل بيتٍ في غزة صار شاهداً على جريمةٍ معلّقة بين السماء والأرض، وعلى قرارٍ واحدٍ قاد إلى جحيمٍ طويل.

لم يكن خيار المقاومة هو الخطيئة، بل الطريقة التي سُلِبت بها حياة الناس دون حسابٍ لأرواحهم، دون أن يُمنَحوا فرصةً ليختاروا مصيرهم.
الآن، بعدما سكتت المدافع وهدأت سماء الموت قليلاً، يبدأ الألم الحقيقي:
كيف سيعيش من نجا وهو يرى الركام مكان بيته؟ أين سيواري الناس شهداءهم وقد ضاقت الأرض بالمقابر؟
كيف يمكن لامرأةٍ فقدت أبناءها أن تفهم معنى الانتصار وهي لا تجد حتى ما تلبسه من ثيابٍ نظيفة؟

تسأل الأمهات عن أبنائهنّ، والآباء عن كرامةٍ ذابت بين الرماد. يسير الأطفال حفاةً في الشوارع التي كانت يوماً أزقةً للحياة، يتساءلون إن كانت الحرب لعبةً كبرى نسي الكبار أن ينهوا جولتها.
أين سيذهب هؤلاء الناس؟ من يعوّض لهم بيوتهم وطمأنينتهم وأحلامهم الصغيرة؟ من يعيد لوجوههم معنى الحياة بعد أن صار كل شيءٍ قابلاً للاشتعال؟

نحن لا نبحث عن انتصاراتٍ تُعلَّق على الجدران، بل عن معنى للكرامة لا يُلطّخ بالدماء.
نريد حياةً تليق بالشهداء، لا موتاً متكرراً تحت اسم البطولة.
نريد أن نرى فلسطين وهي تُبنى على وعيٍ وعدلٍ وصدقٍ، لا على أنقاض الأمل.

وفي خضمّ هذا الوجع، يتردّد السؤال الأخطر:
من سمح لهم أن يجعلوا الأرض جحيماً حيث يريدون أن يذهبوا إلى الله؟
هل هي المعاصي المؤجَّلة؟
أم هو الفكر الإخواني الذي جعل من الدين سلّماً إلى السلطة؟
أم هو الضمير اللاحي الذي يفضّل الكرسي على الدم، والشعار على الإنسان؟

الحرب لم تكن صدفة، بل نتيجة تراكمات فكرية وسياسية ومصلحية سمحت لقرارٍ واحدٍ أن يُلقى على الملايين دون حساب.
إنها ليست معركة بين قوتين فقط، بل معركة بين فكرٍ يبرّر القهر باسم العقيدة، وبين شعبٍ يحلم بالحياة رغم كل الجراح.

لقد تحوّلت المقاومة في بعض وجوهها إلى سلطةٍ مغلقةٍ تخشى النقد أكثر مما تخشى الاحتلال.
سلطةٍ ترفع راية الله، لكنها تغضّ البصر عن عدله، وتمنح نفسها حقّ التصرّف في أرواح الناس كأنها الوصية على السماء.
إنها معركة بين الوعي والتعمية، بين الحقّ في الحياة والحقّ المزعوم في الموت.

الوجع في فلسطين اليوم ليس وجع الدمار فقط، بل وجع الإدراك المتأخر — إدراك أن الدماء لم تُثمر حرية، وأن العالم اكتفى بالمشاهدة، وأنّ من يتحدّث باسم المقاومة نسي أن المقاومة وعيٌ قبل أن تكون سلاحًا.
كيف يمكن لشعبٍ أن ينهض من رماده فيما القرار بيده ليس له؟
كيف تُشفى ذاكرةٌ حُفرت فيها وجوه الشهداء كأنها صفحاتٌ من كتابٍ لن يُغلق؟

القهر ليس فقط في الجوع والعطش، بل في أن يُستخدم الجرح وقوداً للسلطة.
أن يُختزل الشهيد في خطابٍ، وتُنسى أسرته في المخيم.
أن يُرفع اسم الله على رايةٍ تبرّر الفناء، فيما الله نفسه يكره الظلم وسفك الدماء.

إنها معركة الضمير: حين تُفضّل القيادة مجدها على نجاة طفلٍ، وحين يُصبح القرار السياسي أقسى من صاروخ العدو.
من سمح لهم أن يختزلوا الأرض في معركة، والسماء في وعدٍ مؤجل؟
من أذن لهم أن يصنعوا من الناس قرابين لسلطةٍ تتغذّى على الرماد؟

نحتاج إلى وقفةٍ حقيقية، لا إلى خطبٍ تبرّر ولا إلى بياناتٍ تتباهى.
نحتاج إلى أن نسأل: ما جدوى نصرٍ يُخلّف عشرات الآلاف من القتلى؟
ما قيمة تحرير الأرض إذا مات الإنسان؟
وما معنى المقاومة إن صارت أداةً لتكريس الألم بدل إنهائه؟

القهر الحقيقي هو أن يُعاقب الفلسطيني على وجوده، وأن يُدفن الوعي تحت الركام، وأن يُترك الأمل معلقاً على حدودٍ لا تُفتح.
لقد تعب الناس من الشعارات، من اللغة التي تُجمّل الدم، من الذين يتحدثون باسم الله وكأنهم أوصياء على مصير البشر.

نريد مقاومةً تحفظ الحياة، لا تستهين بها.
نريد قيماً تُعيد الإنسان إلى مركز القضية، لا إلى هامشها.
نريد أن نحيا دون أن نُعتذر عن بقائنا، وأن نحلم دون أن نخاف من الحلم.

فالذي عاش كلّ هذا الدمار لا يبحث عن نصرٍ يُقال، بل عن وطنٍ يُشفى.
عن قلبٍ يتنفّس من جديد، وعن ضميرٍ يُفيق من سباته الطويل.

إن الانتصار الحقيقي اليوم، ليس في سقوط الطائرات ولا في صمود الأنفاق، بل في أن نحمي روح فلسطين من الاحتراق، أن نحافظ على إنسانها قبل أن نحافظ على شعاراتها.
أن نعيد للدم معناه الإنساني، لا السياسي.
وأن نسأل بصدقٍ لا يعرف المجاملة:
من سمح لهم أن يجعلوا الأرض جحيماً باسم الله، ويزعموا أنهم ذاهبون إليه؟