خطة الرئيس دونالد ترمب المنشورة بشكل نهائي يوم الاثنين 29 أيلول/سبتمبر الماضي، أثناء لقائه بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، بعد أن أثقلها الأخير تعديلاً وفق أجندته السياسية والأمنية، حملت في صيغها المختلفة ثغرات ونواقص كبيرة وأهدافًا متضاربة ومتناقضة، واستعجالًا في تعميمها لبلوغ هدف شخصي لزعيم البيت الأبيض يتمثل في استباق الإعلان عن جائزة نوبل للسلام قبل العاشر من هذا الشهر (تشرين الأول/أكتوبر)، أكثر منها عنوانًا للسلام. ولهذا يتعجل الرئيس والإدارة الأميركية في إتمام المرحلة الأولى من الخطة للفوز بحلم يؤرقه، ويشفي طموحه، وكبحًا لنتائج مؤتمر نيويورك الدولي لدعم خيار حل الدولتين بقيادة فرنسا والسعودية، وحرفًا لبوصلة العالم الداعم بقوة للحل السياسي الاستراتيجي للمسألة الفلسطينية.

وعلى ما شابها من مثالب، شكّلت الخطة نقطة ارتكاز لوقف الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني ووقف التهجير القسري، وإدخال المساعدات الإنسانية كافة بكميات معقولة تخفف من حدة حرب التجويع القاتلة، وإعادة الإعمار لما دمرته الحرب طيلة العامين الماضيين. حيث يصادف اليوم الثلاثاء السابع من أكتوبر 2025 طي صفحة 732 يومًا من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة خصوصًا والوطن عمومًا، التي وافقت عليها القيادة الفلسطينية وكذلك حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي والأشقاء العرب والدول الإسلامية والعالم، انطلاقًا من قراءة ذكية وحكيمة لأهمية النقاط المذكورة آنفًا، كونها فتحت كوة في جدار الاستعصاء الإسرائيلي على مدار العامين الماضيين.

لكن، وتهيؤًا لوضع العصي في دواليب الخطة لاحقًا، أعلن رئيس حكومة الائتلاف الإسرائيلي مساء الجمعة 4 أكتوبر الحالي أمام عائلات الرهائن الإسرائيليين أن إسرائيل لن تفرج عن الأسرى الفلسطينيين قبل إعادة جميع الرهائن، وأضاف أن هناك تفاهمًا مع الأميركيين على أن جميع أهداف الحرب ستتحقق بالكامل في نهاية المطاف. وهو ما يعني الإصرار على إدامة الإبادة الجماعية وتحقيق "النصر الكامل" حسب وجهة نظره. وأضاف: «لن ننتقل إلى أي من البنود الـ21 في الخطة حتى يكتمل الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين أحياءً وأمواتًا». وتابع: «إذا لم يتم إطلاق الرهائن بحلول نهاية المهلة التي حددها الرئيس ترمب، فإن إسرائيل ستعود للقتال بدعم كامل من الدول المعنية».

وأشار أيضًا إلى أن «إسرائيل ستكون مسؤولة ومشاركة في نزع سلاح قطاع غزة، ولن تسيطر السلطة الفلسطينية على غزة في اليوم التالي، ولن يشارك ممثل عن حماس ولا ممثل عن السلطة في السيطرة على قطاع غزة». وجميع ما أورده يؤكد خياره الدموي في إدامة الحرب. وما ذكره رجل إسرائيل القوي لا يهدف إلى إرضاء حلفائه في الحكومة فحسب، بل هو هدف خاص لشخصه؛ لأنه يخشى من اليوم التالي لإنهاء الحرب الإجرامية، وحرصًا على بقائه في سدة الحكم إلى الزمن الذي يريده هو وائتلافه بتحقيق أهدافه في بلوغ "النصر الكامل"، وتصفية الحل السياسي المستند إلى خيار الدولتين، وتبديد الكيانية الفلسطينية وطمس قضية الشعب الفلسطيني، وتسيد إسرائيل على فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر. مع أنه يعلم يقينًا أن العالم بغالبيته الساحقة لم يعد يقبل الرؤية الإسرائيلية التدميرية، ويدعم بقوة استقلال دولة فلسطين على حدود 4 حزيران/يونيو 1967.

وكان صرح الرئيس الأميركي لشبكة CNN يوم السبت 5 أكتوبر الحالي محذّرًا حركة حماس من "الطمس الكامل" إذا رفضت التخلي عن السلطة والسيطرة على قطاع غزة، مع أن بيان الحركة حمل نصًّا واضحًا بالموافقة على التخلي عن حكم غزة. غير أنه أردف أنه يتوقع الحصول على "الوضوح قريبًا" حول ما إذا كانت حماس ملتزمة حقًا بالسلام، مشددًا على أن مصيرها يتوقف على قرارها بالتنازل عن السلطة. وبشأن الموقف الإسرائيلي، أكد الرئيس الـ47 التزام نتنياهو بإنهاء حملة القصف في غزة ودعم رؤيته. ولم يشر إلى وقف الحرب كليًا أو انسحاب إسرائيل الكلي من القطاع، مع أنه ذكر ذلك لاحقًا حين قال إنه يأمل أن يصبح اقتراحه لوقف إطلاق النار حقيقة واقعة، مؤكّدًا أنه يعمل بجد لتحقيق ذلك.

وفي تباين نسبي مع ما صرّح به الرئيس ترمب، أعلن ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، في ذات السبت، أن المرحلة الثانية من خطة غزة لن تكون سهلة، في إشارة إلى جمع السلاح من القطاع المدمر وانسحاب قوات الجيش الإسرائيلي، وفق ما نقل موقع "رويترز". وأضاف في تعميق للتباين مع رئيسه: «بعد مغادرة حماس للقطاع، سنحتاج وقتًا لتشكيل إدارة تحكم غزة.» وذهب إلى القول إن «لا يمكن إقامة هيكل لحكم غزة لا يضم حماس في ثلاثة أيام».

ممّا ورد من تضارب في المواقف المذكورة آنفًا، بدا موقف نتنياهو جليًا في أنه سيناور مع الإدارة الأميركية للالتفاف على خطة الرئيس ترمب، وهو ما يفتح القوس للتهرّب من استحقاقات الخطة في بنودها الأولى التسعة، والدفع بخيار مواصلة الحرب اللا إنسانية والمدمرة. الأمر الذي يتطلب من الوسطاء العرب، ومن خلفهم الدول العربية والإسلامية ودول العالم عمومًا، وهيئة الأمم المتحدة، التنبه إلى الأخطار التي يدفع بها رئيس الحكومة الإسرائيلية، تفاديًا لتداعياتها الخطيرة على مستقبل الإقليم عمومًا وليس الوطن العربي فقط، وقطع الطريق عليه بممارسة الضغوط الكفيلة بلجم نزعاته الإجرامية.