يُعتبر الفساد بكافة أشكاله ظاهرةً اجتماعيةً رافقت وترافق المجتمعات منذ بدء التكوين والخلق، ولا يكاد يخلو منها أي مجتمع. لكن مقياس التحضر للدول والمجتمعات هو قوة القوانين والأنظمة التي تضعها لمواجهته، وهي المعيار الحقيقي للحد من انتشاره ومحاربة أخطاره. كما أنها تعزز مكانة السلطة الحاكمة أمام مواطنيها من خلال تساوي الجميع أمام القانون؛ فالكل أمام القانون سواءً حاكمٌ أو محكوم.
تداولت وسائل التواصل، وأكدت المصادر الرسمية فيما بعد أنها إحالة إلى التحقيق ملفاتُ مسؤولين كبار هما وزير المواصلات ورئيس هيئة المعابر والحدود بتهم فساد. وهنا لا بد من الانتباه إلى مسائل مهمة، وهي:
- أولاً: عندما نقول إن الاحتلال والفساد وجهان لعملة واحدة، فإننا نعني ذلك بالمعنى الحرفي والمجازي: إنهما يعملان معًا في إيقاع أكبر ضرر في المجتمع، ويؤثران على استقراره ونمائه وحصانته وصموده. أي أن الفاسدين هم أحد أدوات الاحتلال في قهر الشعوب، ولا تفسير غير ذلك.
- ثانياً: يجب أن ننتبه للتوقيت الذي تُحرّك فيه الملفات. الاحتلال وكل أركانه، ومن على كل المنابر، يتهم السلطة بالفساد. وفي هذا التوقيت، الذي يتعاطف فيه العالم معنا إنسانيًا وقانونيًا وسياسيًا ويستعد لتعزيز صمودنا ودعمنا في ظل حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على شعبنا، تسقط ورقة التوت عن عورة الفاسدين وتُدار عجلة الإعلام المعادي للتأثير على موقفنا السياسي والمالي والشعبي بهدف ضرب مناعتنا الوطنية، وخلق شروخٍ بين المواطن وسلطته الوطنية، ومن ثم قهر المواطن وإحباطه وقتل الحلم الوطني بالحرية والاستقلال؛ وكذلك تشويه صورتنا أمام المجتمع الدولي والأصدقاء بهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر بنا. علماً أن الفساد، كما أشِرَ، موجود في كل المجتمعات ظاهرةً طبيعيةً- ولا ندافع هنا عن الفساد أو الفاسدين؛ وإنما الهدف تبيان نوايا الاحتلال الخبيثة. من هنا يأتي الربط بين الاحتلال والفساد، وهذا ما يجب أن يدفعنا إلى تعزيز قوانينا وأنظمتنا الوطنية في مواجهة هذه الظاهرة وإيقاع أقصى العقوبات بالفاسدين مهما علا شأنهم، وأن تُفتح ملفاتهم من جهات الاختصاص؛ فلا حصانة لفاسد، فحماية فاسدٍ واحدٍ توقع الضرر بالمجموع الكلّي للمجتمع. فالمحاسبة تعزز مكانة نظام الحكم في عين المواطن. وأؤمن إيمانًا قاطعًا أنه لا مكان للصدفة في العمل الأمني والسياسي، وما أُثير من قضايا فساد في هذا التوقيت لا يخرج عن دائرة الابتزاز السياسي.
- ثالثاً: كيف يعمل الاحتلال في استغلال الفاسدين المتنفذين وابتزاز مواقفهم السياسية والاقتصادية؟
كما يعلم الجميع، أو من لا يعلم، أن كل النظام المالي والمصرفي لدينا يقع في إطار رقابة دولة الاحتلال؛ أي أن الاحتلال يراقب كل حركات المال وتدفقاته الداخلية والخارجية. بمعنى أن كل فاسد، وله موقع سياسي أو اقتصادي أو حتى اجتماعي، يكون مكشوفًا أمام الاحتلال. وبالتالي فإن هذا الوضع يمكّن الاحتلال من مصادرة الإرادة في القرار، ويجعل من الفاسد المتحكم برقاب العباد أداةً من أدواته ويستخدمه لخدمة أغراضه. من هنا، فعلى جهات الاختصاص المتابعة الجادة واتخاذ كافة الإجراءات والتدابير القانونية الصارمة لمحاسبة هذه الثلة الفاسدة، وتعريتهم وتجريدهم من إنسانيتهم؛ فهم أشد عداوةً وخطرًا على الشعب ومشروعه الوطني من الاحتلال.
وأخيرًا: ومن باب النصح للثلة الفاسدة الذين هم ضحايا أنفسهم وجشعهم والاحتلال- وحيث إن البشر خاطئون، وأن الله غفور رحيم، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له- فليُراجعوا جهات الاختصاص لتسوية أمورهم بسرّ وكتمان، وإرجاع ما استغلوه من مقدرات الشعب، قبل أن يفضحهم الاحتلال بكشف حساباتهم وأرصدتهم بعدما يستنزفهم بهدف ضرب منعة شعبنا وصموده. يومئذٍ لا ينفع الندم، وسيحاسبهم الشعب كما كل الشعوب الحرة والحية التي تحاسب الفاسدين وتُقِيم عليهم الحد بطريقتها. والأحمق من لا يستفيد من تجربة غيره.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها