الأدوات الوظيفية المرتهنة للقوى الاستعمارية- بغضّ النظر عن الثوب الذي تتلفع به سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو دينيًا- عندما ينتهي دورها تصبح عبئًا على ذاتها وأنصارها، وعلى سادتها وحواضنها (الأدوات الأعلى مرتبة في سلم الدور الوظيفي)، مما يغرقها في أنواء أزماتها وتعقيدات اضمحلال وتلاشي الدور. تتعمق الأزمة بين الغالبية من الأعضاء والكوادر الوسطى وبين القيادات اللصيقة بأهداف الدور الوظيفي، ويظهر الصراع بين أقطابها وتياراتها حول كيفية الخروج من المشهد بما يحفظ ماء وجوههم. الفريق الأول، الذي ضُلّل طيلة زمن تورطه في مشروع مشبوه، اكتشف الخدعة الكبرى وبدأ يدرك أن مصيره الفناء، أو تركه على قارعة الطريق لقِمَمٍ سائغة للأعداء الذين استعملوه، أو لردود فعل المجتمع الذي عبث في مصيره ومستقبله؛ فأمسى كالقط المحشور في الزاوية أو الغرفة المغلقة.

وإذا أخذنا نموذج حركة حماس، فقد انتهى دورها الوظيفي في المشهد الفلسطيني بعد نحو عقدين من الانقلاب الأسود وعامين من الإبادة الجماعية وحرب التجويع، وبعد أن حصد الأعداء أهدافهم المرجوة منها، ولم يعد لها دور في أجندة العدو الإسرائيلي، الذي يبحث مع سادته عن أداة جديدة تخدم مخططاته التصفوية للقضية والمشروع الوطني والكيانية الفلسطينية.

ومع تبنّي الإخوة العرب وقادة الدول الإسلامية خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين 22 أيلول/سبتمبر الماضي، ونقل الخطة لقيادة حماس للموافقة عليها (وليس لنقاشها أو لإدخال تعديلات عليها)، انطلاقًا من موقف زعيم البيت الأبيض المؤكَّد أن لدى قيادة حماس من 3 إلى 4 أيام تنتهي وفقه مساء الغد الأحد 5 تشرين الأول/أكتوبر الحالي. ولم يُعرَ رئيس الإدارة الجمهوريّة التفاتًا للملاحظات التي أعلنها العديد من القادة العرب والمسلمين، بعد إدخال بنيامين نتنياهو تعديلات جوهرية عليها، مما فاقم الأزمة في أوساط قيادة وتيارات حركة حماس، وبينها وبين القيادة الميدانية.

من المواقف المعلنة لقيادة حماس، صرّح محمد نزال، عضو المكتب السياسي للحركة، بعد تسلّم الخطة قائلاً: «الخطة الأميركيّة عليها ملاحظات، وسنعلن موقفنا منها قريبًا». وأضاف: "قررنا مناقشة الخطة الأميركيّة من منطلق وقف الحرب والمجازر، ولا يمكن أن تكون النهاية التفريط بحقوق شعبنا ومواصلة الإبادة الجماعية، وجادون في الوصول إلى تفاهمات. لا نتعامل وفق منطق أن الوقت سيف مسلط على رقابنا- نؤكد أننا معنيون بمصالح شعبنا وبوقف المذبحة، ولن نسمح لها بأن تستمر- سنعلن قريبًا جدًا موقفنا من الخطة ولن يتأخر كثيرًا". لا تعليق على الادعاءات المذكورة.

وأعلن مصدر مسؤول آخر من الحركة لفضائية "الحدث"- دون ذكر اسمه- ونُشر يوم الأربعاء الأول من أكتوبر، أن "الحركة طلبت إيضاح بعض بنود خطة ترمب- الحركة طالبت بضمانات بوقف الحرب بشكل نهائي- الحركة تطالب بعدم عودة إسرائيل للحرب- الحركة تطالب بجدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي من غزة- الحركة طالبت التفريق بين سلاحها الهجومي والآخر الدفاعي- السلاح الدفاعي هو حق قانوني مُكفول دوليًا- إدارة القطاع يجب أن تكون عبر اللجنة الفلسطينية التي سيتم تشكيلها- نرفض أن يدير أي طرف دولي قطاع غزة- للحركة الحق في إدخال تعديلات على خطة ترمب".
لا أعلم عن أي قانون دولي يتحدثون، ولا عن أي سلاح هجومي أو دفاعي: في الحرب هناك منتصر وآخر مهزوم أو ضعيف، عليه أن يقبل بالمساومة حتى لو كانت تحمل غبناً وظلماً مقابل حماية الشعب.

في المقابل، ذكرت تقارير أن قائد كتائب القسام في قطاع غزة، عزّ الدين الحداد، أبلغ الوسطاء برفضه لخطة ترمب، لأنها "مصمّمة لتؤدي إلى زوال حركة حماس، سواء قبلت الحركة بها أم لا". وأشار الوسطاء إلى أن الحداد "مصمّم على مواصلة القتال"، لأن الخطة تهدف، بحسب رأيهم، إلى القضاء على الحركة. وذكرت التقارير أن تأثير قادة حماس في الخارج يبقى محدودًا أمام القادة الموجودين على الأرض، موضِّحةً أن "حتى لو اعتقدنا أن بعض قيادات حماس السياسية في الدوحة منفتحة على قبول الخطة مع بعض التعديلات، فإن تأثيرها سيظل محدودًا لعدم امتلاكها السيطرة على الأسرى الإسرائيليين في القطاع؛ وبالتالي لن يتم الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين ضمن الزمن الذي حدّدته الخطة، لأن الممسك بالقرار على الأرض يرفضها من حيث المبدأ". هذا التصور يغفل عن رؤية مدى الإبادة الوحشية التي تُمارَس ضد الشعب وأطفاله ونسائه.

تضمنت المواقف المعلنة من قادة حركة حماس العديد من التصريحات المتضاربة- من مغالاة في الانتصار إلى تشدّد في رفض الخطة- مع تجاهل واضح لموازين القوى على الأرض. كما أن ثمة اختلافًا جليًا بين من يملك القرار على الأرض، ممثلاً بعزّ الدين الحداد، وبين قيادات الحركة في الدوحة. ومن سيدفع الثمن، في حال لم يتم الالتزام بمخرج يحفظ أمن الناس، هو الشعب. ويتجاهل البعض، بغض النظر عن التباينات والاختلافات بينهم، أن دورهم الوظيفي قد انتهى، وأن عليهم الخروج من المشهد السياسي والأمني؛ وأما عنوان «المقاومة» فليُترك للشعب والقيادة الحقيقية، لأن المقاومة فكرة وعطاء وحماية لمصالح وحقوق الشعب السياسية والقانونية، والحفاظ على أرواح أبنائه من الإبادة. المقاومة ليست الكفاح المسلّح فقط، بل تشمل النضال السياسي والقانوني والمقاومة الشعبية السلمية. لذلك عليهم الكفّ عن المتاجرة بالدين وبدم الشعب، وقطع الطريق على العدو الإسرائيلي. أمّا مدى وفاء إسرائيل بالعهود والاتفاقات فهو معلوم لكل بصير: لا يُنتظر منهم الالتزام بأي عهدٍ قد يقيّد حملتهم، وقد يستمرّون بسياسات تضع رئيس الحكومة الإسرائيلية وائتلافه في مواجهة قوى داخلية مختلفة، مع تداعيات سلبية.

ملاحظة: كُتِب هذا المقال قبل إصدار حركة حماس موافقتها على خطة ترمب. ومع ذلك، فإنّ الموافقة لا تُلغي مضمونه.