التاريخ يعيد نفسه بصورة أبشع: فتح أبواب الجحيم على المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، تمامًا كما فعل النازيون بحق اليهود في أوروبا. اليوم، يعيد وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، إنتاج ذات العقلية حين يعلن أن من يبقى في غزة سنعتبره إرهابيًا. أي عقلية هذه التي ترى في الضعفاء المدنيين تهديدًا وجوديًا؟.

وقد وثّقت مؤسسات دولية، ونشرت صحيفة الغارديان، أن نسبة الضحايا المدنيين بلغت خمس عشرة حالة من كل ست عشرة حالة قُتل فيها أشخاص مدنيون خلال الحرب.

التهديد الصريح من وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس، بقوله: «سنعتبر من يبقى في غزة إرهابيًا»، يطرح سؤالًا بسيطًا: من سيبقى في غزة؟ إنهم الضعفاء من سكانها: الأطفال غير القادرين على النزوح، النساء اللاتي لا يتحمّلن مشقة السير لمسافات طويلة، الشيوخ، وذوو الحالات الخاصة الذين أصبحوا لا يملكون المال، في وقت تخلو فيه غزة من أبسط الإمكانات المادية بسبب هذه الحرب المدمّرة. إلى أين يترنّح هؤلاء؟ كل الأماكن التي يصفها الجيش الإسرائيلي بـ«الآمنة» لم تكن، في أي لحظة منذ بدء العمليات العسكرية، آمنة بالفعل. لم توفّر إسرائيل مناطق آمنة أو ممرات إنسانية، ولم تُنقل المساعدات الإنسانية بصورة كافية. إنها تشن حربًا لا تميّز فيها بين مقاتل ومدني، والخسائر البشرية والمادية تتحدث عن نفسها.

محيت عائلات بأكملها من السجل المدني، وكثيرون دفنوا تحت الأنقاض. أي بشاعة هذه التي تفوق حتى النازية؟.

تبرير قتل المدنيين الفلسطينيين تحت أي مسمى يكشف عن العقلية النازية المريضة التي تسود حكام إسرائيل؛ وهي ما يُسمى «تجريد الآخر» — أي تحويل سكان غزة إلى تهديد مطلق يجب إزالته بحجة وجود مقاتلين بينهم. وهذا أمر محظور في القانون الدولي الإنساني، إذ لا يمكن، تحت مسمى مكافحة الإرهاب، تبرير إجراءات الإبادة الجماعية أو التهجير العرقي أو إعدام سبل الحياة.

بين جنون العظمة وإنكار الآخر، أي جنونٍ هذا حين يكون المستهدفون هم المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، وكل الفئات الضعيفة في المجتمع الفلسطيني التي لا تملك قوة على النزوح؟ يقدم الائتلاف الحكومي الإسرائيلي على هذه الجرائم البشعة بحق الشعب الفلسطيني، مجردًا من الإنسانية، في انزلاقٍ أخلاقيٍّ يحمّل الآخرين مسؤولية كل الجرائم التي تُرتكب، فيما يتنصّل هو من أي مسؤولية، ولا يبرّئ نفسه من أعمال وحشية وبربرية تخلو من الإنسانية.

كل ما يحدث هو نتيجة إدراك هذا النظام الاستعماري النازي أنه لا يخضع للمساءلة الدولية، حتى لو دانته المنصات العالمية وحمّلته مسؤولية تلك الجرائم. لعلّ من رماد الحرب يخرج طائر الفينيق، يحلّق في سماء فلسطين، يعيد الحسابات ويقلب الموازين.

لله درّك يا غزة. "يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين". صدق الله العظيم.