في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي المفتوح على قطاع غزة ليومه الـ727، وتفاقم الكارثة الإنسانية مع انهيار البنى التحتية وغياب أبسط مقومات الحياة، يتزايد الضغط لوقف شلال الدم بوصفه أولوية وطنية وإنسانية قصوى لا تحتمل التأجيل. هذا الواقع المأساوي يفرض قراءة معمقة للمشهد، إذ أصبحت المبادرات والجهود المطروحة، بما فيها الخطة الأميركية، ضرورة آنية لتجنيب الشعب الفلسطيني المزيد من الخسائر، في مسار يبدو فيه الفلسطينيون "مُخيّرون بين السيء والأسوأ".
مشهدٌ غير مسبوق في تاريخ القضية الفلسطينية
أمام هذا الواقع المأساوي وما يحمله من تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة، يؤكّد الكاتب والمحلّل السياسي أوس أبو عطا في تصريح خاص لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني أنّ المشهد الفلسطيني الحالي غير مسبوق، مُشدّدًا أنّ "القضية الفلسطينية برمّتها تلج بظروف بالغة الصعوبة والتعقيد والخطورة لم تمر بمثلها قط منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي".
ويصف أبو عطا ما يجري في قطاع غزة بأنه أشبه بـ"إعدام ميت أو التمثيل بجثة غزة أو قصة موت معلن أو يوميات الموت العادي"، مُضيفًا أنّ كل هذه التوصيفات السينمائية والأدبية والشعرية التي اجترحها كبار الأدباء والمبدعين "تنطبق على ما يحدث في القطاع الكسير الأسير".
ويشير إلى أنّ هذه الحرب التي يشنّها الاحتلال ضد شعبنا الفلسطيني البريء والمسالم منذ 727 يومًا، هي حرب إبادة شاملة خلّفت أكثر من 200 ألف ضحية بين شهيد وجريح، ولم تترك فيها إسرائيل سلاحًا إلّا واستخدمته مجرّبةً "ما لا يخطر على بال الشيطان من أساليب القتل والتهجير والتدمير"، مؤكّدًا أنّ العدوان لا يستهدف فقط البشر بل الحجر والشجر وكل شيء وأي شيء ينبض بالحياة.
وفي توصيفه لحجم الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يلفت أبو عطا إلى أنّ العدوان دمّر أكثر من 90% من مساحات القطاع، حيث جرى تدمير أكثر من 268 ألف وحدة سكنية بشكل كامل، و148 ألف وحدة بشكل بليغ لم تعد صالحة للسكن بشكل قاطع، و153 ألف وحدة لحقت بها أضرار جزئية، مما ترك أكثر من 290 ألف أسرة فلسطينية بدون مأوى، وذلك حسب آخر إحصائية صادرة عن الجهات الحكومية في غزة.
ويشدّد على أنّ "إسرائيل لا تروق لها المناظر الحضارية لأبناء شعبنا الفلسطيني، لكي تؤكّد المقولة الصهيونية: العرب أبناء الصحراء. بالتالي هذا الهدم لا يعكس إلا حقدًا على البشرية والطبيعة".
ويختتم أبو عطا قراءته للمشهد في غزة قائلاً: "غزة يتم إعدامها الآن على الهواء مباشرة. ومن هنا يتحتّم على الفلسطينيين الخروج بأقل الخسائر، فالوضع الفلسطيني كارثي للغاية ونحن مخيّرون بين السيّئ والأسوأ، والأسوأ هو استمرار المقتلة وعدم توقفها، فهي كالحبل الممدود لطفل صغير عالق في جبٍّ عميق، فعلينا التمسك بها وقطع الطريق على نتنياهو وعصابته".
بين الموقف الوطني وحسابات "حماس"
فيما يتعلّق بالخطة الأميركية التي تحظى بترحيب واسع من الدول الإقليمية والدولية والقيادة الشرعية وحركة "فتح" كخطوة نحو وقف العدوان، ينوّه الكاتب والمحلّل السياسي أوس أبو عطا إلى أنّ "وجود حماس في واجهة حكم قطاع غزة يعفي إسرائيل من أيّ استحقاق سياسي، مثل قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران، أو اقتصادي، مثل إعادة إعمار القطاع".
ويضيف: "كما أنه يعمّق الانقسام الفلسطيني الداخلي بشكل واضح، ويُجهض إمكانية قيام دولة فلسطينية، وهذا الانقسام يمثل جوهرة تاج مشروع بنيامين نتنياهو الذي عمل على تجسيده منذ توليه رئاسة الوزراء لأول مرة عام 1996".
ويتساءل أبو عطا: "بعد خراب غزة، هل يمكن الحديث عن تكتيك واستراتيجية حماس بين النجاح والفشل النسبي والفشل الكلي، وأهدافها قريبة و بعيدة المدى؟ وهل تكتيك حماس خدم الإستراتيجية الفلسطينية أم خدم الاستراتيجية الإسرائيلية؟".
ويستغرب أبو عطا من أنّ "كل الفظائع التي لحقت بشعبنا الفلسطيني لم تغيّر قيد أنملة في تفكير حركة "حماس" وقيادتها المنفصلة عن الواقع"، مضيفًا: "بل إنّ "حماس" تشعر بأن ذلك يحقق لها أهدافها بزيادة التعاطف مع القضية الفلسطينية، هذا التعاطف «غير المُجدي» كونه لم يُسكت مدفعًا ولم يوقف طائرة ولم يدخل كأس ماء إلى قطاع غزّة".
ويرى أبو عطا أنّ شعبنا الفلسطيني للأسف يقع ضحية حسابات سياسية خاسرة ما بين "سيف القصف والتجويع الإسرائيلي المسلّط على الرقاب الفلسطينية من جهة، والتعنُّت الحمساوي من جهة أخرى"، مستدركًا أنّه في الواقع الحالي فإنّ "الخطة الأميركية المطروحة تتجاوز حركة "حماس"، أي أنها في حال قبلتها أو رفضتها، فستُطبّق الخطة في المناطق التي لا تسيطر عليها حماس وتبلغ ما يقارب 80% من قطاع غزّة".
استثمار الواقعية السياسية والدبلوماسية لإنجاز الدولة المستقلة
حول أهمية استثمار القيادة الفلسطينية للترحيب الدولي والإقليمي الواسع بالخطة في ظل الزخم المتصاعد بالاعتراف بدولة فلسطين، لوضع مسار موحد لإنهاء الاحتلال، يقول أبو عطا: "لقد ذاق أبناء شعبنا ثمرة الواقعية السياسية والدبلوماسية بعد اتفاق أوسلو، حيث عادوا إلى أرض الوطن، وحرروا عشرة آلاف أسير، وأُطلق العمل في المطار والميناء، وبُنيت المدارس والجامعات، وتدفقت المساعدات الدولية، وأُجريت انتخابات ديمقراطية نزيهة، وتواصلوا مع غالبية دول العالم، ممّا مهّد لوضع أسس حقيقية لدولة فلسطينية".
ويضيف في هذا السياق: "السلطة الوطنية الفلسطينية هي طوق النجاة الوحيد المتبقي للفلسطينيين، كونها الوجه الشرعي والمعتدل والوسطي والمقبول والمعترف به دوليًا".
ويتابع أبو عطا موضحًا: "في اتّجاه آخر، لا ينطبق على السلطة الوطنية ما ينطبق على حماس أو على حكومة المتطرفين في إسرائيل. فتصريحات وزراء الاحتلال مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وعميحاي إلياهو تكشف عن عنصرية واضحة. في المقابل، تظهر السلطة الوطنية كطرف واقعي يحث على السلام، مستندًا إلى قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن".
وفي سياق الإصلاحات المطلوبة دوليًا وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، يبيّن أبو عطا أنه بالعودة قليلاً للوراء نجد أنّ قرار السيد الرئيس محمود عبّاس بإجراء انتخابات المجلس الوطني "يمثل خطوة ديمقراطية".
ويضيف أنّ "المجلس، الذي سيتشكّل بثلثين من الفلسطينيين داخل الوطن وثلث من الشتات، يكرّس الشرعية الفلسطينية داخليًا وخارجيًا"، معتبرًا أنّ هذا القرار يندرج ضمن الإصلاحات المطلوبة دوليًا، ويواجه محاولات شطب حل الدولتين من قبل حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف، ويعكس "واقعية سياسية، تسعى لتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، رغم نيران ‹‹الإخوة والأعداء››".
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها