بقلم: د. منى أبو حمدية

في غزة، الطفولة ليست زمنًا، بل أسطورة تُروى على لسان الريح.

هناك يولد الأطفال كما تولد الكواكب من رحم الانفجار،

لكنهم لا يكملون دورتهم في مدار البراءة،

إذ تتكالب عليهم مجرّات الحديد والنار،

فتخطفهم الشظايا كما يخطف الخسوف وجه القمر.

أي قدرٍ هذا الذي يزرع النجوم في أعين الصغار،

ثم يطفئها قبل أن تُضيء سماء العالم؟

أي يدٍ هذه التي تسرق من الطفل نبوءته،

وتحوّل أحلامه إلى رمادٍ تذروه الرياح؟

أطفال غزة ليسوا مجرد وجوه صغيرة،

إنهم أنصافُ آلهة من براءةٍ مصلوبة،

يحملون على أكتافهم أسطورة الأرض الأولى،

كأنهم آخر سلالةٍ أوكلت إليها السماء حراسة الذاكرة.

كل شهيدٍ منهم نجمٌ سقط ليرسم خارطةً جديدة في ليل البشرية.

في أزقة غزة، الأرجوحة ليست لعبة، بل بوابة بين الحياة والموت،

والدُمية ليست حكاية، بل شاهد قبرٍ صغير.

هناك، تتحوّل الطفولة إلى سفرٍ أبدي،

وتصير المدارس معابد مهدمة،

تكتب على جدرانها الملائكة: “هنا مرّ أطفالٌ، كانوا يحلمون.”

يا غزة، يا أمّ الكواكب، يا رحم النار والملح،

أطفالكِ رسلٌ يبعثون من تحت الركام،

يحملون على جباههم هالاتٍ من غبار ودم،

كأنهم كائناتٌ نورانية أُرسلت لتذكّر الأرض

بأن البراءة حين تُذبح، يختلّ ميزان الكون.

ورغم كل هذا الخراب،

تظلّ الطفولة فيكِ مثل طائر الفينيق،

تحترق ثم تنهض من الرماد.

تُبعث من بين الركام لتقول:

“لسنا ضحايا العدم، بل بذور الخلود.”

غزة  يا أسطورةً مكتوبة بدم الأطفال 

ستبقى الطفولة المسلوبة فيكِ مرآةً للكون،

تفضح ظلمته، وتعيد رسم نجومه،

حتى يولد الغدُ من جديد،

ويعود الحلم، لا كذكرى مسروقة،

بل كفجرٍ مكتمل يضيء أفق الإنسانية بأسرها.