بقلم: إسراء غوراني

منذ ستة أعوام دُشّنت محطة نور طوباس للطاقة الشمسية على مساحة تُقدّر بـ120 دونمًا، وقد بدأت بقدرة إنتاجية تصل إلى 5 ميغا واط، حتى وصلت إلى 12 ميغا واط خلال بضع سنوات، لتصبح واحدة من أكبر مشاريع توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في فلسطين.

وتكتسب المحطة أهمية خاصة لكونها تخدم القطاع الزراعي في محافظة طوباس، المعروفة بأنها سلة الغذاء الفلسطينية، عبر توفير مصدر طاقة بديل يخدم الزراعة التي يواجه إنتاجها تحديات جسيمة بفعل استهداف الاحتلال.

- مشاريع وليدة الحاجة

يشير المستثمر في المحطة أحمد أبو خيزران، إلى أن محافظة طوباس احتضنت سابقًا مشاريع لتوليد الطاقة الكهربائية من الشمس، وسجلت هذه المشاريع مساهمات جيدة لحل مشاكل نقص الكهرباء التي كانت تعاني منها المحافظة. وأضاف أن فكرة الاستثمار في محطة طاقة شمسية لخدمة الأغراض الزراعية جاءت من واقع الحاجة وبسبب التحديات الكبيرة التي تواجه هذا القطاع الحيوي، وتراجع الأرباح فيه تبعًا لتلك الظروف، بالتزامن مع ارتفاع التكاليف التشغيلية والإنتاجية.

وينوه أبو خيزران، القائم على تنفيذ مشاريع زراعية عديدة في المحافظة، إلى أن القائمين على محطة نور طوباس يزرعون آلاف الدونمات في مناطق متعددة، تعتاش من العمل فيها مئات العائلات. وتترتب على هذه الزراعات تكاليف وفواتير كهرباء سنوية تصل إلى 7 ملايين شيقل، ومن هنا جاء التفكير في توفير مصدر يخفف تكاليف استهلاك الكهرباء، خاصة في ظل الظروف الزراعية الصعبة الناتجة عن قيود الاحتلال وانتهاكاته.

وفقًا لحسابات أبو خيزران، فإن نسبة الربح من القطاع الزراعي تتراوح بين 10-15% في أفضل الحالات تبعًا للظروف الصعبة، وبالتالي فإن تخفيف أعباء فواتير الكهرباء التشغيلية يحافظ على هامش مقبول من الربح ويمنح المستثمرين والمزارعين نفسًا أطول للاستمرار.

ويرى أبو خيزران أن المشروع يحمل آثارًا إيجابية كبيرة على القطاع الزراعي، إضافة إلى أهميته الوطنية في تقليل الاعتماد على شراء الكهرباء من الاحتلال وتوفير جزء من التكاليف السنوية الباهظة لهذا الغرض.

- مشاريع رائدة

وقبل هذا المشروع وغيره من مشاريع الطاقة الشمسية في طوباس ومحيطها، كانت المحافظة من أوائل المحافظات التي أدركت أهمية الطاقة الشمسية في فلسطين والاستثمار فيها، لتصبح اليوم من المحافظات الرائدة في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، محطة المسلماني للطاقة الشمسية التي افتتحت أواخر عام 2017 في منطقة الفارعة جنوب طوباس تعد من أوائل المحطات الاستثمارية في الضفة الغربية.

نجاح هذا المشروع الذي أقيم على مساحة 35 دونمًا وبقدرة 3 ميغا واط كان بمثابة بداية تشجيعية لمستثمرين آخرين سواء في طوباس أو غيرها من المناطق، وفتح الطريق لقطاع مزدهر في المنطقة.

يشير مدير المحطة يسري المسلماني إلى أن الهدف من إنشاء محطة للطاقة الشمسية كان إيجاد حلول لنقص الكهرباء المتزايد في طوباس. ويؤكد أن نجاح المشروع اعتمد على عوامل عدة، منها: الظروف المناخية المواتية وطول مدة الإشعاع الشمسي، إضافة إلى استراتيجيات شركة كهرباء طوباس لتشجيع التوجه إلى الطاقة الشمسية، مع وجود مستثمرين يؤمنون بأهمية هذا القطاع ويستعدون للاستثمار فيه.

ويعتبر المسلماني أن مشاريع توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية تعود بفوائد عدة، منها الربح على المستثمر، والمساهمة في حل مشاكل الطاقة الكهربائية، وتحقيق جزء من الاكتفاء الذاتي، فضلًا عن فوائدها البيئية كونها مشاريع صديقة للبيئة.

تظهر شواهد عديدة على الأرض ومشاريع واعدة في الضفة الغربية أن قطاع الطاقة الشمسية سيكون خلال السنوات المقبلة أحد القطاعات الأكثر أهمية، إذ يسهم في الانفكاك جزئيًا عن الاحتلال. ويحقق صندوق الاستثمار الفلسطيني بالتعاون مع المستثمرين وسلطة الطاقة قفزات كبيرة في هذا المجال.

ويؤكد مدير محفظة الطاقة الشمسية في شركة مصادر التابعة لصندوق الاستثمار الفلسطيني، محمد عورتاني، أن الصندوق يعتبر قطاع الطاقة المتجددة ذا أهمية إستراتيجية، إذ يعزز أمن الطاقة الوطني ويقلص فاتورة الكهرباء المستوردة وينوع مصادر التزويد.

ومن هذا المنطلق، أسس الصندوق شركة "مصادر" لإدارة استثماراته في الطاقة التقليدية والمتجددة، من خلال تنفيذ مشاريع حيوية، أبرزها مشاريع الطاقة الشمسية. أطلق الصندوق عام 2016 برنامج "نور فلسطين"، الذي يركّز على إنتاج الكهرباء النظيفة من الطاقة الشمسية عبر بناء محطات تخدم شرائح واسعة من المستهلكين، وتطوير الكفاءات المحلية في التصميم والبناء والتشغيل والصيانة، بما يعزز القدرات الفلسطينية الذاتية في هذا القطاع.

نفذ الصندوق من خلال البرنامج مشاريع بارزة مثل: محطة "نور أريحا" بقدرة 7.5 ميغا واط، ومحطة "نور جنين" بقدرة 5 ميغا واط، ومحطة "نور رمون" بقدرة 4.2 ميغا واط، ومحطة "نور الشمال" بقدرة 5.3 ميغا واط، إضافة إلى مشاريع على أسطح 331 مدرسة في مختلف المحافظات بقدرة إجمالية تصل إلى 19 ميغا واط.

ويشير عورتاني إلى أهمية قطاع الطاقة الشمسية في فلسطين كبديل أساسي عن الاعتماد شبه الكامل على الكهرباء المستوردة، لا سيما في ظل وفرة الإشعاع الشمسي طوال العام، ما يجعل استغلال هذه الطاقة خيارًا عمليًا وفعالًا.

ويُنظر إلى مستقبل الطاقة الشمسية في فلسطين بتفاؤل كبير، نظرًا لأنها خيار شبه حتمي لتعزيز أمن الطاقة وتقليل التبعية للاحتلال، مع ارتفاع تكاليف استيراد الكهرباء وتكرار الانقطاعات، مما يزيد جاذبية الاستثمار في القطاع على المستويين الفردي والمؤسسي.

- حاجة مُلحة

يشير مدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث الطاقة والبيئة في سلطة الطاقة، باسل ياسين، إلى أن التوجه لاستغلال الطاقة الشمسية في فلسطين بدأ عام 2010 لإيجاد حلول بديلة للتجمعات السكانية النائية، ومنها مناطق الأغوار والمناطق البدوية التي لم تصلها شبكات الكهرباء، والتي عانت سنوات طويلة من عدم توفر الطاقة بسبب قيود الاحتلال وتهميشها.

كانت بعض هذه التجمعات تستخدم مولدات كهربائية، إلا أن لها عيوبًا عدة منها الضجيج واستهلاك الوقود الكبير وانعكاسات على البيئة. وبعد ذلك تم سن قوانين وتشريعات لاستخدام الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، وانتقلت الفكرة من حلول مؤقتة لتجمعات محددة إلى تفكير استراتيجي يساهم في تلبية جزء من الاحتياجات المحلية، وتخفيف الاعتماد على الاحتلال.

ومع مرور السنوات، جذبت مشاريع الطاقة الشمسية المستثمرين لإقامة محطات استثمارية وربطها بشبكات الكهرباء بعد الحصول على التراخيص وإبرام عقود البيع والشراء مع شركات الكهرباء.

ويؤكد ياسين أن الطاقة الشمسية تساهم في تغطية جزء من الاحتياجات الفلسطينية للكهرباء، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة استيراد الكهرباء من الاحتلال، إضافة إلى كونها مصدر طاقة نظيف وصديق للبيئة، وتشكل قطاعًا استثماريًا حديثًا يجذب المستثمرين ويخلق مصدر دخل جديد.

- ظروف طبيعية ملائمة

يوضح ياسين أن فلسطين تحظى بإشعاع شمسي وفير يقارب 3 آلاف ساعة سنويًا، أي ما يعادل 240 يومًا مشمسًا. واستغلال الطاقة الشمسية يتم عبر أنظمة على أسطح المنازل بقدرات تتراوح بين 5-15 كيلو واط، وأنظمة صناعية تتراوح بين 10 كيلو واط وألف كيلو واط، بنظام "صافي القياس" الذي يزود المنشأة بالكهرباء ويوصل الفائض إلى شركة الكهرباء.

كما توجد مشاريع ومحطات استثمارية كبيرة بقدرات تتراوح بين 100 كيلو واط و15 ميغا واط، تُعرف باسم "العرض المباشر"، حيث يتم بيع الطاقة المنتجة للشركة وفق اتفاقيات رسمية.

وفقًا لإحصائيات سلطة الطاقة، تم إصدار أكثر من 60 رخصة لمشاريع استثمارية في الطاقة الشمسية، وتم تنفيذ أغلبها، بينما لا يزال بعضها في طور التنفيذ. وهناك أكثر من 5 آلاف نظام على أسطح المنازل و6 آلاف على المنشآت التجارية والصناعية، إضافة إلى تغطية أسطح المدارس والجامعات والمستشفيات والمؤسسات الحكومية، ما يعكس التوجه الكبير لاستغلال الطاقة الشمسية.

وبلغت القدرات الإجمالية لأنظمة الطاقة الشمسية المشغلة في الضفة الغربية حتى العام الحالي 350 ميغا واط، تغطي نحو 7% من استهلاك الكهرباء محليًا، مع وجود خطة إستراتيجية وطنية للطاقة المتجددة للأعوام 2025-2030 تهدف إلى إضافة 1430 ميغا واط جديدة لتغطية 30% من الاستهلاك المحلي.

- تحديات جسيمة

ورغم المستقبل الواعد، تواجه مشاريع الطاقة الشمسية تحديات كبيرة، أبرزها محدودية الأراضي بسبب سيطرة الاحتلال على أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية (المناطق المصنفة "ج")، مما يمنع إقامة المشاريع فيها.

كما توجد عقبات فنية تتمثل في عدم قدرة الشبكات الحالية على استيعاب كامل كمية الطاقة المنتجة، ما يؤدي إلى فاقد، ويتم العمل على تخزين الطاقة في بطاريات. على سبيل المثال، في طوباس، الطاقة المنتجة نهارًا أكبر من الحاجة، ويتم حاليًا تخزين 60% منها لاستخدامها ليلاً، مع خطط لتخزين كامل الطاقة المولدة مستقبلاً.

وعلى الرغم من توافر مصادر الطاقة المتجددة، إلا أن الاحتلال يعرقل تنفيذ مشاريع جديدة، مثل توربينات الرياح التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي في عدة مناطق، بما فيها الخليل وطوباس، لكنها لم تُنفذ حتى الآن.

ورغم هذه التحديات، يبقى قطاع الطاقة الشمسية خيارًا إستراتيجيًا وطوق نجاة لتأمين احتياجات الكهرباء وتقليل التبعية للاحتلال، بما يعزز استقلالية القرار الوطني ويضمن مستقبلاً واعدًا للطاقة.