في ظلّ العدوان وحرب الإبادة المتواصلة التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على أهلنا في قطاع غزّة، تشهد الضفة الغربية المحتلة، ولا سيما محافظة قلقيلية، حربًا موازية في الخطورة، تتجلّى في ضمٍّ زاحف واستيطانٍ متسارع يلتهم الأرض ويعزل المدن والقرى عن بعضها، بهدف السيطرة على المزيد من الأراضي وتقطيع أوصال الضفة، والقضاء على الوجود الفلسطيني، وتحويل حياة المواطن الفلسطيني في الضفة إلى جحيم لا يُطاق.

 

 هذا ما أكّده مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وعضو قيادة حركة "فتح" في قلقيلية الأخ مراد شتيوي، في تصريح خاص لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني، منوّهًا إلى أنّ الاحتلال الإسرائيلي يستغل حرب الإبادة المتواصلة على أهلنا في قطاع غزة لشنّ حرب موازية لا تقل خطورة عمّا يجري في قطاع غزة، وتتمثّل في سياسة التوسع الاستعماري الإحلالي التي انتهجتها حكومة الاحتلال مستغلّة هذا الظرف القائم بقرارات متسارعة وجديدة.

وأوضح شتيوي أن الاحتلال يتخذ قرارات متسارعة وجديدة تهدف إلى السيطرة على مزيدٍ من الأراضي، وذكر أن من أبرز هذه القرارات ما يُعرف بـ(أراضي الدولة)، حيث صادر الاحتلال آلاف الدنومات بهذه الذريعة، وعمل على تسهيل وصول المستعمرين إليها، الذين بدورهم أنشأوا على هذه الأراضي بؤرًا استعمارية في مواقع استراتيجية.

ولفت إلى أنّ هذه البؤر غالبًا ما تتوسّط التكتلات الاستعمارية الكبيرة لخلق أمر واقع جديد يسهم في توسيع المستعمرات وفصل محافظات الضفة عن بعضها البعض، طبقًا لقرار الوزير المتطرف سموتريتش، الذي كشف عن "نية لدى الاحتلال أن يوسّع المستعمرات في مواقع استراتيجية لتحقيق هذا الهدف".

وأشار شتيوي إلى أنّ "الاحتلال لجأ أيضًا إلى أداة خطيرة تتمثّل في "الاستيطان الرعوي"، والذي يعد من أخطر الأدوات في مجال السيطرة على الأراضي، وذلك عبر إطلاق مجموعات من الرعاة المستعمرين في شمال ووسط وجنوب الضفة، وهؤلاء يعمدون إلى إنشاء بؤر استعمارية تحت ذريعة رعاية أغنامهم، ولا تلبث هذه البؤر أن تتوسّع وتصبح نواة جديدة لإنشاء مستعمرات أخرى".

 

وحول واقع محافظة قلقيلية، أشار شتيوي إلى أنّها، شأنها شأن سائر محافظات الضفة الغربية، تشهد توسعًا استيطانيًا متسارعًا، علاوة على الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمحافظة جراء إنشاء جدار الفصل العنصري على أراضي المحافظة كاملةً، لافتًا إلى أن مناطق جنوب وشمال قلقيلية ومدينة قلقيلية نفسها تعاني من حصار خانق، إذ لا يسمح الاحتلال بالدخول والخروج منها إلا عبر منفذ وحيد شمالاً، يتم في أحيان كثيرة إغلاقه.

 

وقال إنّ الاحتلال قد أنشأ بؤرًا استعمارية جديدة في القرى الشرقية للمحافظة، وفرض بوابات حديدية على مداخل هذه القرى الواقعة على الشارع الواصل بين قلقيلية ونابلس، تُغلق متى شاء جيش الاحتلال، ما يعيق حركة المواطنين ويسهل تحرّك المستعمرين في الاتجاه المقابل. وأوضح شتيوي أن بلدة عزّون على سبيل المثال "أصبحت سجنًا كبيرًا إذ تحيط بها أسلاك شائكة مرتفعة من جميع الجهات، ما حكم على نحو 13 ألف مواطن يسكنون في بلدة عزون والقرى المجاورة بالسجن داخل بلداتهم، وغيّر مسارات تنقّلهم، فضلًا عن إطالة المسافات التي يقطعونها للدخول والخروج".

 

وبالانتقال إلى سياسة العزل والإغلاق التي يمارسها الاحتلال في الضفة، شدّد شتيوي على أن فرض الاحتلال البوابات والحواجز العسكرية والسواتر الترابية أمر جديد بدأ يطفو على السطح ما بعد السابع من أكتوبر، حيث "فرض الاحتلال ما مجموعه نحو 1000 بوابة وساتر وحاجز عسكري، بما فيها بوابات تحكم إغلاق تلك المقامة على جدار الفصل العنصري والتي كان المواطن الفلسطيني يصل من خلالها إلى أراضيه خلف الجدار.

 

وأوضح أنّ الهدف من فرض هذه البوابات يكمن على مستويين، الأول إعاقة حركة المواطنين الفلسطينيين مقابل تسهيل حركة المستعمرين، أمّا الثاني، فقطع أوصال الضفة الغربية بعضها عن بعض بما يخدم خطط الاحتلال الرامية إلى فرض أمر واقع استعماري يصعب التحلل منه في حال حصول أي تسوية سياسية أو حل سياسي.

 

وأضاف شتيوي: "لم يكتف الاحتلال بإنشاء بوابات وحواجز تفصل المدن والقرى عن بعضها، بل أغلق كذلك عشرات القرى الفلسطينية في شمال ووسط وجنوب الضفة الغربية، ووضع على مدخل كل المدن الفلسطينية بوابات وحواجز عسكرية تحوّل حياة المواطن الفلسطيني إلى جحيم لا يُطاق".

 وعرض إلى ما نجم عن إنشاء البوابات من تداعيات سلبية على حياة أبناء شعبنا على الصعد الاجتماعية والاقتصادية، بل والزراعية كذلك الأمر، لافتًا في هذا الصدد إلى أنّ تعذّر تسويق المنتجات الزراعية أثر بشكل مباشر على دخل المواطنين، لا سيما في منطقة الأغوار الشمالية التي يعاني المواطن الفلسطيني فيها من نقل بضائعه ومزروعاته ومنتجاته إلى المدن والقرى والبلدات المجاورة.

وفيما يتعلق بحملات الاعتقالات والاجتياحات العسكرية المتواصلة في شمال الضفة الغربية، وما نتج عنها من نزوح أكثر من 45 ألف مواطن من مخيمات نور شمس وطولكرم وجنين إلى القرى والبلدات القريبة، رأى شتيوي هذه الممارسات تدخل في إطار مخطط متكامل تتبادل وتتكامل الأدوار فيه ما بين آلة الاحتلال العسكرية المتمثلة بجيش الاحتلال وأجهزته الأمنية، والآلة المدنية المتمثلة بالمستعمرين الذين بدورهم يخلقون بيئة طاردة قسرية بخاصة للتجمعات الريفية في شتى أنحاء الضفة.

وأكد الأخ مراد شتيوي رفض حركة "فتح" القاطع لكل صور التهجير مهما كانت وسيلتها، وقال: "نحن في حركة "فتح" على ثقة تامة بأن أبناء شعبنا الفلسطيني لن يعيشوا النكبة مرتين، فهم قد جرّبوا مرارة التهجير القسري عام 1948، وما نتج عنها من مجازر وحرق قرى وبلدات أسفرت عن تهجير آلاف المواطنين الفلسطينيين الذين سكنوا المخيمات في الضفة الغربية والشتات، وما يجري الآن هو محاولات في ذات السياق".

وأضاف: "لكنّنا في حركة "فتح" نؤكّد رفضنا لكل الأشكال التي يسعى من خلالها الاحتلال إلى تهجير أبناء شعبنا من أي شبر من أراضينا الفلسطينية سواء كان في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو القدس الشريف".

وفيما يخص دور هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أوضح شتيوي أنها، وضمن المهام التي تضطلع بها في المناطق المصنفة "جيم"، والتي يستهدفها الاحتلال بالتهجير القسري، تبذل ما في وسعها لتوفير إمكانيات لوجستية تعزّز صمود المواطنين، لافتًا إلى أن "التجمعات البدوية التي يتم هدمها تتم إعادة بنائها في أقل من 24 ساعة".

وأشار شتيوي إلى أنّ الهيئة رغم إمكانياتها المتواضعة وفي ظل الحصار المالي والاقتصادي الذي تشهده دولة فلسطين بسبب قرصنة إسرائيل أموال المقاصة ووقف تحويلاتها، فإنّها تحرص على توفير كل ما يلزم للحفاظ على وجود المواطن الفلسطيني في مناطقه، لأنّ "هذه المناطق تشكل عمق الدولة الاستراتيجي".