في أجواء مفعمة بالثقافة والروح الوطنية، ألهبت الصحفية والشاعرة الفلسطينية وصال أبو عليا مشاعر الحضور في مهرجان فلسطين الثقافي في العاصمة الإيطالية روما، حيث اعتلت المنصة لتلقي قصائدها بالعربية، فتدفقت الكلمات من قلب رام الله والقدس المحتلة، ووصلت الكلمة الفلسطينية مترجمة إلى الإيطالية صادقة معبرة إلى قلوب الإيطاليين والجاليات العربية.
بدأت أبو عليا مداخلتها بتعريف نفسها للجمهور قائلة: "جئتكم من رام الله، وأنا من مواليد القدس المحتلة، عاصمة دولة فلسطين.. جئت أكتب عن فلسطين ولأجلها، فالكلمة قاعة محكمة، وهي قاضٍ، وهي مطرقة للنطق بالحكم لمحاكمةِ الاحتلال". بهذه الكلمات فتحت وصال نافذة واسعة على عالمها الشعري، لتقدّم مختارات من قصائدها.
توقفت أبو عليا عند قصيدتها اللافتة "قبل القيامة"، التي بدت أقرب إلى نشيد وجودي عن العودة والهوية، حيث قالت فيها:
"قبلَ القيامة
تذكرةُ العودة التي علقت في وعيِنا،
كانت بمثابةِ إصبعين
يرفعانِ اللغةَ؛ حتى لا تنكسر،
في أجسادٍ تحتفظُ بجلدِها منذ مئة عام…"
كلماتها رسمت صورًا شعرية مكثفة عن الاغتراب والتمسك بالأرض في آن، لتختم بعبارةٍ ظلّت تتردد في القاعة: "وقبل القيامة: لا مكان لنا سوانا"، فيما بدت العيون شاخصة إلى المنصة، تستمع بإنصاتٍ عميق وترتجف مع الصور التي حملت وجع الحرب وإصرار البقاء.
ثم جاءت قصيدتها "مناضل" لتضيف بعداً وجدانيًا آخر، حين خاطبت شقيقها مناضلًا غائبًا أو شهيدًا قائلة:
هيا يا مناضل
سأواصلُ الركضَ نحوكَ،
ولتفعل أنتَ ذلك..
لن أكتبَ حديثاً منسلخاً عن الذاكرة،
سأستله من روحي…
ستكبرُ في قلوبنا،
وروحك تعدو وتتسعُ في السماء،
ستكون شجرةَ صنوبر
تواصل صعودها،
ستكون نسراً يحرسُ الجبال"
هذه الصور القوية التي مزجت بين الجبل والصنوبر والنسر، منحت الحضور إحساسًا بالاستمرارية والصمود والامتداد، حيث تفاعل الجمهور بتصفيقٍ طويل أعقب كل مقطع شعري، في مشهد بدا فيه الشعر الفلسطيني كما لو كان نشيدًا حيًّا يقاوم النسيان والغياب.
وألقت أبو عليا إلى جانب "قبل القيامة" و"مناضل" مختارات أخرى من قصائدها مثل «بضع أمنيات» و"سبع سيدات في رفح" و"لا شيء يسعفني"، لتشكّل جميعها لوحة شعرية تعكس الذاكرة الجمعية الفلسطينية وتحوّل الألم إلى فعل إبداعي يناهض النسيان.
قصائد وصال لاقت تفاعلًا كبيرًا من الجمهور الذي تابع بإصغاء وتأثر واضح، إذ علت التصفيقات بعد كل قصيدة، فيما عبّر العديد من الحضور عن إعجابهم بقدرة الشعر الفلسطيني على تجسيد المعاناة والأمل في آنٍ. وكان اللافت في القاعة تواجد عدد من أبناء الجالية الفلسطينية، إلى جانب مواطنين إيطاليين ومجموعة من القادمين من قطاع غزة لمرافقة الجرحى الذين يتلقون العلاج في المستشفيات الإيطالية، ما أضفى على الأمسية بعدًا وجدانيًا مضاعفًا.