بقلم: عبد الباسط خلف
عادت الأحزان الجماعية من جديد لتشعل قلب طمون، جنوب طوباس، التي بكت الشابين محمد قاسم أحمد سليمان (29 عامًا)، وعلاء جودت خضر بني عودة (20 عامًا).
وترسم عبير بني عودة، أحزان بلدتها، التي كتب عليها الفقدان الجماعي، وتقول: إنها خسرت يوم الخميس اثنين من أبناء عمومتها، ليلتحقا بستة وثلاثين شهيدًا قضوا خلال قرابة عامين، بينهم إخوة وأقرباء وأصهار.
وتروي بنبرة حزينة أن محمدًا أو (زروق) كما كانت عائلتها تناديه؛ لزرقة عيونه ووسامته، وعلاء الابن البكر لأسرته رفعا عدد الشهداء المحتجزة جثامينهم في طمون إلى 15 في غضون 23 شهرًا فقط، إضافة إلى 3 جثامين مغيبة منذ عام 2003.
والمؤلم حسب عبير، أن بسمة والدة محمد أخذت تتوضأ بدم ابنها، الذي التحق بأخيه أحمد، الذي ارتقى قبل ستة أشهر.
وتشير إلى أنها شعرت بمكروه مس ابنها، وهي تسمع أصوات قذائف الاحتلال المصوبة نحو بيت بلاستيكي ومزرعة أغنام للعائلة.
وتذكر بني عودة أن الأم المكلومة أخبرت المعزيات بأنها أحست بأنين ابنها الشهيد، عقب القصف بالقنابل، لكنها لم تتمكن من الصراخ والبكاء.
وتقول: إن محمدًا وأحمد أضيفا إلى ثلاجة القهر، وأشعلا نار الحزن في قلب والدتهما، التي بقي لها ميزر وانتفاض وأربعة بنات.
وتنقل بني عودة أن سهى والدة الشهيد علاء دخلت في غيبوبة، بعد احتضانها لملابس ابنها البكر، وحينما استفاقت أخبرت المعزيات بأن ابنها الشهيد حضر لإخبارها بأنه بحاجة إلى قبعته المفقودة.
وتتحدث عن الطلب الأخير لعلاء من أمه، فقد ألح عليها بكرها اختيار الملابس المناسبة لارتدائها.
ويؤكد أهالي البلدة، أن وحدات الموت الإسرائيلية الخاصة، اقتحمت الحي الشرقي ومنطقة راس الحبايل، وأطلقت النار صوب الشابين، قبل أن تتبعها تعزيزات وطائرة مسيرة وقصف بقذائف (الأنيرجا) الحارقة.
وتشير مصادر العائلة إلى أن الشهيد محمد أخبر زوجته أن تذهب إلى بيت عائلتها في النصارية، برفقة أولادهما: أيسر (يحمل اسم عمه الذي رحل قبل سنين في بداية شبابه)، وأحمد (الذي لم يكمل يومه الأربعين وسمي تيمنًا بعمه الشهيد)، وابنة.
ويشبه أهالي طمون بلدتهم بـ"المبرمجة" منذ نحو عامين للبكاء الجماعي، فإما أن تبكي على اثنين أو ثلاثة أو خمسة أو عشرة أو إخوة أو أبناء عمومة دفعة واحدة.
ويقولون: إن أم الشهيد محمد بني عودة، بكت ابن خالها علاء أيضًا، الذي كان رفيقًا لنجلها.
بدوره، يوضح رئيس البلدية، سمير بشارات، أن فجر طمون كان صعبًا، إذ اقتحمت الوحدات الخاصة حي رأس الحبايل الشرقي المطل على عاطوف، وحاصرت المنازل والدفيئات وكراجا للسيارات.
ويؤكد أن شهود عيان أبلغوه بإطلاق الاحتلال قرابة 8 قنابل حارقة نحو الدفيئة الزراعية، ودفع تعزيزات عسكرية بنحو 14 آلية، أنهت جريمتها عند الثالثة فجرًا بقتل الشابين واحتجاز جثمانيهما.
ويشير إلى أن بلدته، التي يقطنها 16 ألف مواطن، فقدت 38 شابًا في زمن قياسي، 15 منهم تواصل عائلاتهم الحزن، كونها لم تدفن أحبتها بعد.
ويصف الإعلامي مصطفى بشارات، أحزان بلدته.
وهو يقول: إن طمون عائلة واحدة تتقاسم الحزن كما الفرح، فيما يتوزع شهداء العامين الأخيرين على عائلاتها وحواريها ومواقعها كلها، ولم تسلم بناها التحتية وطرقاتها وبيوتها من البطش.
ويؤكد أن جرح بلدته واحد، في وقت تستهدف فيه حياتهم ومرافقهم، دون أي مبرر لهذا العدوان، الذي يتكرر ويطال الأطفال والشبان وأبناء العمومة والإخوة والأصهار.
ويضيف: بأن بكاء طمون مؤجل حتى إشعار آخر، لعدم دفن 14 من خيرة أبنائها في ثرى بلدتهم، ما يضاعف الوجع والشعور بالقهر.
ويشير مؤيد بني عودة، إلى أن عائلته فتحت بيت عزاء لابنيها دون دفنهما، وهي ليست المرة الأولى التي تفعل ذلك، فقد تكرر ذلك كثيرًا منذ خريف 2023.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها