لا شكَّ أنَّ الفلسطيني ترتبطُ ذاكرتُه بإدراكٍ تامٍّ بالصدماتِ النفسيةِ المتعاقبةِ عليه منذُ عشراتِ السنين بفعل الاحتلال وممارساته العنصرية والاضطهادية المتواصلة ضدَّه، بدءًا بالتهجير والقتل والتنكيل والأسر والتضييق المستمر وصولًا لحربِ إبادةٍ تستهدفُ الكلَّ الفلسطيني في كل أماكن تواجده، ولا بصيصَ أملٍ دون الإيمان والإرادة والتحدي للوصول إلى معنى وجوديٍّ في هذه الحياة.

تحدث أمس دكتورُ الإرشادِ النفسي فاخر الخليلي حولَ مفهومِ الصدمةِ النفسيةِ بالإنابة، المتمثلِ بفقدانِ الشغفِ والأمل وخيباتِ الأمل والخذلان من منظومةٍ كاملة، نتيجةَ التأثرِ النفسي الذي يُصيبُ الأشخاصَ الذين يستمعون أو يتعرضون بشكلٍ متكرر لقصصٍ وتجارب مؤلمة عاشها الآخرون. وهذا ما دفعني للتفكيرِ بتلك الصدمةِ وأثرِها على الفلسطيني الذي يحمل هذا الثقلَ بداخله ويحاول المضيَّ في حياتِه باحثًا عن الأمل، وعزَّز هذا الشعور أثناء توجهي في اليوم نفسه لتقديمِ واجبِ العزاء أو كما نحب أن نسميه (واجب التهنئة بالشهادة) لأحد رجالات بلدي الذي فقد بالأمس ابنَه الثالث، وتحتجز إسرائيل جثمانين اثنين، في سعيٍ دائمٍ منها لقهرِ الفلسطيني لفترةٍ أطولَ بفقدانٍ ملتبسٍ ضاغط يغيبُ به الجسدُ وتبقى الروحُ حاضرةً في قلبِ ذلك الرجل، الذي يُطلبُ منه أن يبقى متأرِّضًا ثابتًا واقفًا على قدميه لإيمانِه بعدالةِ قضيتِه، مستلهمًا بذلك خبراتِه من ذاكرةٍ ممتدة عبرَ سنواتٍ من النضالِ الفلسطيني الساعي للحرية.

يُعَدُّ النظامُ الزمني (Chronosystem) في إطارِ نظرية (برونفنبرنر) المكوِّنَ الخامسَ للنظمِ البيئية، والذي يوضحُ فهمًا لأثرِ الزمنِ والأحداثِ التاريخيةِ المتعاقبة على الفردِ وعلى المجتمع.

فيتجلّى ذلك النظامُ في السياقِ الفلسطيني بوضوحٍ بفعل الاحتلال المتواصل، فلم يعدِ الحدثُ الصادم موقفًا عابرًا، بل تحوّل لمخزونٍ من الخبراتِ الطويلةِ والمتجددة عبرَ سنواتِ الكفاحِ الفلسطيني، تتجسدُ من خلالها الهويةُ الفردية والجماعية معًا. فالقتلُ والاعتقالُ والأسرُ والإبعادُ والتهجيرُ والإبادةُ وهدمُ البيوت والحصارُ واحتجازُ الجثامين واقتطاعُ الأراضي والسيطرةُ عليها وجرائمُ المستوطنين واعتداءاتُهم، ليست أحداثًا منفصلةً بل حلقاتٍ متصلةً ببعضها البعض مثقلةً بالقهرِ والشعورِ بالاضطهاد والخذلان إلى جانبِ خيباتِ الأمل. وأجزمُ أنَّ التاريخَ البشري لم يُدوِّن خلالَه أحداثًا مشابهةً للفعلِ الإجرامي الممارَس ضدَّ الفلسطيني من قِبلِ احتلالٍ تحصَّن بمجتمعٍ دوليٍّ ذروةُ فعلِه خطاباتٌ تحملُ معها كلماتِ العجز عن الفعل، وهذا ما يخلقُ حالةً من الصدمةِ الجماعيةِ المزمنة التي تتوارثُها الأجيال.

إنَّ تلك الخبراتِ المتراكمةَ لا تؤثر على البناءِ النفسي للأفرادِ فقط من خلالِ مشاعرِ القلقِ المستمر والخوفِ الشديد والحزنِ والعجز، بل تتعداها لتشملَ البنيةَ الأسريةَ والاجتماعيةَ والثقافيةَ، وبالتالي إعادةَ تشكيلِ الوعي الجماعي في إطارِ مقاومةٍ وصمودٍ وتشبثٍ بالحقوق، لكنه في الوقتِ نفسه مثقلٌ باستنزافٍ نفسي واجتماعي متواصل. ومن هنا فإنَّ النظامَ الزمنيَّ بمدته يمثلُ تحليلًا مهمًّا لكيفيةِ تداخلِه مع الواقعِ السياسي والاجتماعي الفلسطيني، وما ينتجُ عنه من آثارٍ عميقةٍ على النموِّ الإنساني والسلوكِ الجماعي، لأن الأحداثَ الدائرةَ والتعرضَ المستمر لأحداثٍ صادمةٍ لا يُنظرُ لها فقط في لحظتِها، بل تتعداها لتستمرَّ آثارُها عبرَ الزمن وأجيالٍ متعاقبة تتغيرُ بها نظرةُ الفردِ للعالم (الشعورُ بأنَّه مكانٌ غير آمن).

دكتور حسن بشارات 
دكتوراه في الإرشاد النفسي والتربوي