بين أنقاض البيوت وتحت حصار خانق يشتدّ يومًا بعد يوم، يواجه أهالي غزة لليوم الـ721 من حرب الإبادة مأساة إنسانية غير مسبوقة، مع اجتياح بري إسرائيلي يطوّق المدينة من الشرق والشمال والجنوب ويدفع مئات آلاف المدنيين إلى نزوح قاسٍ يفتقر لأبسط مقومات الحياة. في هذا المشهد الميداني القاتم، تتعاظم التحركات السياسية والدبلوماسية التي تقودها القيادة الفلسطينية لترجمة موجة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية إلى ورقة ضغط عملية، مستفيدة من التباين المتزايد بين المواقف الأوروبية والأمريكية لإجهاض محاولات فرض مشروع "دويلة غزة" وتصفية القضية الفلسطينية.

 

وتعقيبًا على الواقع الميداني في قطاع غزة، قال الباحث في الشؤون الإسرائيلية والعلاقات الدولية د.رائد نجم في تصريح لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني، إنّ مدينة غزة تتعرّض لاجتياح بري واسع من الاتجاهات الثلاثة الشرقية والشمالية والجنوبية، ولفت إلى أن المشهد في غزة يشي بمحاولة إسرائيلية واضحة للسيطرة العسكرية الكاملة على المدينة وطرد سكانها جنوبًا نحو المواصي وخان يونس والمناطق الوسطى.

وأوضح أنّ هذه الممارسات تأتي ضمن العملية العسكرية "عربات جدعون 2" استكمالاً للمرحلة الأولى، والتي تهدف وفقًا لحكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى الضغط على الفصائل من أجل تنفيذ شروط إسرائيل المتعلقة بإطلاق سراح الرهائن وفق شروطها دفعة واحدة، مع الالتزام بشروط نتنياهو بتسليم السلاح وخروج القيادات والحفاظ على وجود أمني عسكري إسرائيلي داخل قطاع غزة، وإنشاء حكومة مدنية من خارج السلطة أو حركة حماس ونزع سلاح القطاع عمومًا.

 

وشدّد على أنّ هذه العملية تركت آثارًا إنسانية مروّعة، إذ اضطر أكثر من مليون فلسطيني في شمال القطاع إلى النزوح القسري في ظروف قاسية، فيما يعيش من بقي في القطاع ومن لا يقدرون على الخروج تحت أهوال القصف المستمر والقتل والإبادة.

وأشار إلى تفاقم الأزمة الإنسانية لغياب مراكز الإيواء، حيث أصبح الأهالي "يفترشون الشوارع بالمعنى الحرفي"، في ظل عدم توفر الخيام أو الخدمات أو مياه للشرب، وظروف غاية في التعقيد بسبب عدم وجود أي جهة تقدم الرعاية المطلوبة للسكان".

 كما أشار إلى التكلفة العالية جدًا التي يتكبّدها المواطن لنقل حاجياته من مدينة غزة باتجاه الجنوب، مما أدى إلى بقاء عدد من السكان غير القادرين على المغادرة بل واستشهاد العديد من العائلات بسبب عدم امتلاكهم التكلفة المالية اللازمة للنزوح.

 

وتابع د.نجم: "علاوة على ذلك فإنّ الاحتلال ما زال يمارس نفس سياساته، وهي سياسات التقطير والتحكم في البضائع، أمّا المساعدات فيتم السطو عليها وإعادة بيعها ولا تصل إلى مستحقيها".

أمّا عن واقع التواجد الحالي للسكان في بعض مناطق غزة، فأوضح أنّ هذه المناطق لم يدخلها الاحتلال بريًا، مثل الرمال وأجزاء من النصر الجنوبي وبعض مناطق تل الهوى والسرايا وسوق الزاوية، مستدركًا أن التكتيك العسكري الجديد باستخدام الروبوتات المحملة بأطنان المتفجرات لتفجير الأحياء يجعل بقاء هذه العائلات في بيوتها أمرًا صعبًا جدًا، لأن الانفجارات قد تطالهم حتى لو لم يخرجوا من البيوت.

وفي هذا الإطار أشار إلى أن استخدام الاحتلال لهذه التكتيكات العسكرية بالتوازي مع القصف الصاروخي المتواصل بالطيران الحربي واستهداف المدنيين بطائرات مسيّرة على مدار الساعة، جعل العملية هذه المرة أكثر قسوة وصعوبة على السكان.

وتابع: "بالتالي فإنّ التواجد الحالي له علاقة بعدم تقدم قوات الاحتلال في مدينة غزة من جهة، وعجز عدد من العائلات عن الخروج من داخل المدينة، بالإضافة إلى قناعة العائلات بأنه لا وجود لمنطقة آمنة في غزة لذلك فلا داعي للانتقال من مكان إلى مكان"، مؤكدًا أنّ "الأوضاع خطيرة جدًا والاستهدافات قاسية بلا رحمة في مدينة غزة".

 

 وفيما يتعلق بموجة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، قال د.نجم: "هذه خطوة مهمة رفعت مكانة فلسطين إلى دولة لا مجرد أرض متنازَع عليها، على الأقل من وجهة نظر كتلة غربية وازنة في السياسة الدولية، مشيرًا إلى ما يترتب على هذه الدول من التزامات في التصويت تجاه دولة فلسطين، وأهمية ما طرحه الرئيس الفرنسي عن الحاجة إلى تصور سياسي لما بعد هذه الحرب.

 ورأى أنّ "هذه الاعترافات خطوة متقدمة تبعث برسالة واضحة بضرورة إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر تطبيق حل الدولتين، وتشكل ضغطًا على الاحتلال لإنهاء الحرب أولاً، وثانيًا لإبلاغه بأن الحل المطلوب غربيًا هو تنفيذ حل الدولتين، وأنه من غير المقبول أن تقوم إسرائيل بممارسة سياسة الأمر الواقع ومنع قيام دولة فلسطينية، حتى لو ساندتها الإدارة الأمريكية".

وشرح د.نجم أن ذلك يأتي نظرًا لتعارض المصالح الشديد بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة فيما يتعلق بإقليم الشرق الأوسط، وتعرض أوروبا بشكل مباشر لنتائج حالة عدم الاستقرار في الإقليم من تدفق الهجرة واللاجئين والإرهاب والجريمة، موضحًا أنّ "عدم الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية جدًا من العالم يؤثر على حالة الاستقرار في أوروبا، على الأقل في مجال الطاقة والغاز ومسألة المرور باعتبار المنطقة تمثل مجموعة من العقد الاستراتيجية البرية والبحرية التي تربط الشرق بالغرب إضافة إلى كونها سوقًا هامةً جدًا بالنسبة لأوروبا، والتي تحرص على أن تكون متواجدة في هذه الأسواق في ظل التنافس الدولي".

ويؤكد د.نجم أن تحويل الاعترافات من خطوة رمزية إلى ورقة قوة وضغط على الاحتلال لوقف الحرب يتم عبر متابعة الضغط العالي من قبل أوروبا والتهديد باستخدام سلاح العقوبات والمقاطعة، بمعنى وقف تزويد إسرائيل بالسلاح وفرض عقوبات عليها ومقاطعتها.

 ويقترح ضمن الخطوات الممكنة لجوء الاتحاد الأوروبي بوصفه أكبر شريك تجاري لإسرائيل إلى فرض تعريفات جمركية على البضائع الإسرائيلية، مما من شأنه إحداث ضرر كبير بالاقتصاد الإسرائيلي بالإضافة إلى اللجوء إلى المقاطعة في مجالات شتى، سواء أكان ضمن البحث العلمي أو التعليم أو الجامعات أو البرامج الصحية أو غيرها وحتى في الرياضة كما فعلت إسبانيا بمقاطعة إسرائيل رياضيًا، لافتا إلى أنّ "ذلك من شأنه جعل إسرائيل دولة منبوذة تعيش في حالة من العزلة وهو ما لن تحتمله هذه الدولة".

 

وحول مخاطر محاولات حماس فرض مشروع "دويلة غزة"، شدّد نجم على أنّ الاعترافات الدولية "اشترطت عدم وجود أي دور لحماس في اليوم التالي"، موضحاً أنّ هذه الرسائل "تؤكد لحماس أن أي إصرار منها على دور بعد الحرب يمثّل تحديًا للنظام الدولي ومواقف الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، ولكل الدول التي تنوي ممارسة المزيد من الضغط من أجل الوصول إلى مسار سياسي". 

وقال إن هذه الدول تقدم نصيحة لحركة "حماس" بأن عليها "أن تصطف جانبًا وتنزع الذرائع من إسرائيل، لأن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تستخدم وجود حماس كمبرر لعدم التقدم في أي مسار سياسي". 

ورأى أنّ "إصرار حماس على هذا المسار، بمعنى أن تكون هي الجهة التي تحكم من بوابة سلاح المقاومة، لن يكون مقبولًا، لأن قطاع غزة لن تدخله أي جهة مستثمرة أو مانحة مع بقاء أي نفوذ لحركة حماس داخل قطاع غزة، كما أنّ الجهات المانحة لا لا تريد أن يعاد تدمير ما ستبنيه من أموالها ثم يطلب منها تقديم أموال مجددًا، وهو ما قد عبرت عنه أكثر من دولة عربية".

وشدّد على أنّ مغادرة حماس للمشهد هي مصلحة فلسطينية سياسية واقتصادية وذات علاقة بإعادة الإعمار واستمرار الدعم واستمرار الاعترافات وعزلة إسرائيل ونبذها، وهو ما يخدم تحقيق هدف إقامة الدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967.

 

وفي ما يخص التحولات في الموقف الأوروبي، أشار د.نجم إلى أنّ الموقف الأوروبي بدأ متقدمًا جدًا على الموقف الأمريكي في دعم الحق الفلسطيني وفي السردية الفلسطينية، وفي الانتقال خطوة للأمام من خلال عملية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، عازيًا ذلك إلى أسباب مرتبطة بتغير التكوين الديموغرافي في أوروبا وتأثير ونفوذ الوجود العربي والإسلامي، بالإضافة إلى الاستثمار الاستراتيجي في العلاقة مع إقليم الشرق الأوسط.

وأوضح: "وقوع الفوضى في الشرق الأوسط سرعان ما ينتقل إلى العواصم الأوروبية، لذلك ترى أوروبا ضرورة تحقيق الاستقرار الذي يبدأ من خلال الاستقرار الدولي، وتحديدًا في الأقاليم المجاورة، كبوابة أيضا لتحسين الاقتصاد"، منوهًا إلى ضرورة أن يكون هناك تصور سياسي يقود إلى إنهاء حالة الصراع ولجم ووقف كل سياسات نتنياهو وهذه الحكومة المتطرفة التي تؤثّر بشكل كبير على الاستقرار الدولي.

 

وأشار د.نجم إلى وجود اقتراحات ودول اتخذت خطوات عملية، مثل ألمانيا التي أوقفت تصدير أنواع من السلاح المستخدم في حرب الإبادة على قطاع غزة، ومثل إسبانيا كذلك، التي أوقفت تصدير السلاح لإسرائيل وأخذت قرارًا بإغلاق أجوائها أمام الطيران الإسرائيلي وعدم استقبال السفن التي تحمل السلاح في موانئها. 

وأشاد بأن "هذه الحالة تنتشر وتقدم وتتطور"، مستدلّاً على ذلك بما جرى من دعم أسطول الحرية، حيث أعلنت إسبانيا استعدادها لإرسال سفن عسكرية لحماية الأسطول، واضطرت الحكومة الإيطالية لإرسال سفينة حربية تحت الضغط الشعبي. 

ويرى أنّ مسألة فرض العقوبات يمكن أن تتطوّر، بخاصة إذا ما أقدمت إسرائيل على "حماقة جديدة مثل ضم أجزاء من الضفة الغربية".

وختم الباحث في الشؤون الإسرائيلية والعلاقات الدولية د.رائد نجم حديثه بالقول إن "الدبلوماسية الفلسطينية تتقارب بشكل جديد وتنسق خطواتها مع كل الأصدقاء في العالم، وهي ترى بأن الدول التي اعترفت بدولة فلسطين انتقلت من مربع دعم السردية الإسرائيلية والسياسات الإسرائيلية الجائرة إلى مربع دعم القضية الفلسطينية ودعم السردية الفلسطينية والحقوق الفلسطينية".

 وأكد أن هذا التحول يتطلّب من القيادة السياسية والدبلوماسية الفلسطينية تعزيز العلاقات مع هذه الدول، وتقديم تصورات سياسية وحراك دبلوماسي واسع لضمان استمرار هذا الدعم ودفعه نحو خلق مسار سياسي يفضي إلى حل الدولتين.

ورأى أنّ الدبلوماسية الفلسطينية ستكون مكثفة في تنسيق الجهود مع كل الأطراف العربية والدولية في إطار سحب الذرائع من إسرائيل وتكثيف الهجوم السياسي والدبلوماسي والتحرك بشكل واسع من أجل إنهاء الحرب وإعادة إعمار قطاع غزة ومحاولة فرض وقائع جديدة من خلال تواجد السلطة الوطنية الفلسطينية وإشرافها على إدارة الضفة وقطاع غزة بشكل متوازٍ، من أجل التأكيد على أن لا حل في هذه المنطقة إلا بإقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام 1967 تضم الضفة وغزة والقدس.