يتقاطع الحصار على غزة مع زحف الاستيطان في الضفة لتشكيل طوق خانق على الحلم الفلسطيني. وما بين إغلاق المعابر وتجريف الموارد وتزايد اعتداءات المستوطنين، يكشف تقرير لجنة التحقيق التابع للأمم المتحدة عن نوايا معلنة لإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية، في محاولة لإسقاط أي إمكانية لقيام دولة مستقلة ذات سيادة. وأمام هذا التحدي، تبرز الحاجة إلى مواجهة شاملة تحمي الأرض والهوية وتمنع تفتيت ما تبقى من النسيج الوطني.

 

وفي تصريح خاص لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني، اعتبر الكاتب والمحلّل السياسي د.نعمان عمرو، أنّ ما ورد في تقرير لجنة التحقيق التابع للأمم المتحدة يمثل حقيقةً على الأرض، وأنّ الإجراءات الإسرائيلية تتجلّى بوضوح في قطاع غزة والضفة الغربية في آن معًا.

وقال: "ففي ما يتعلق بقطاع غزة تقوم الإجراءات على فرض مناطق وممرات عازلة والقتل بالجملة وعلى الهوية وبشكل متعمد، واستخدام سياسة التجويع ومنع الأدوية والتهجير الداخلي"، معتبرًا أنّ هذه الإجراءات تهيّئ لتهجير قسري وتفريغ قطاع غزة، والتعامل معه كمنطقة استيطانية ومشروع ربحي، وتهدف في المحصلة إلى تغيير التركيبة السكانية في قطاع غزة وفي الضفة الغربية.

ودعا في هذا السياق شعبنا إلى التحلي بالصمود، مؤكدًا أنّ هذا الصمود هو الكفيل بتحطيم آمال اليمين الصهيوني المتطرف، وتفتيت ما يطلقون عليه اسم الحدود التوراتية لـ"دولة الاحتلال".

 

وتطرّق د.عمرو إلى الشق الخاص بالضفة الغربية، مشيراً إلى أنّ الإجراءات هناك مختلفة لكنّها لا تقل خطورة، حيث تتّسع مساحات الاستيطان وتجري مصادرة الموارد الطبيعية التي تساعد الفلسطينيين على البقاء، في محاولات لإضعاف القيادة والهوية الفلسطينية وخلق شروخ مناطقية وثقافية. 

 

ورأى أنّ التهديد الوجودي للمشروع الوطني الفلسطيني يكمن في الهدف الإسرائيلي المعلن والمطبّق وهو منع قيام دولة فلسطينية في غرب نهر الأردن، ومنع السيادة الفلسطينية على أي وحدة جغرافية، والحيلولة دون وجود ديموغرافي قوي ومتماسك يمثل تفكيرًا جمعيًا فلسطينيًا، وبالتالي تحويل المشروع الوطني إلى إدارة إنسانية لمجموعة جزر مفصولة ببوابات وطرق التفاف في الضفة الغربية.

وقال د.عمرو إن الاحتلال بالتوازي مع ذلك يعمد إلى ممارسة القتل والتشريد والمصادرة والاقتلاع في الضفة لخلق بيئة طاردة، تتّسم بالجهل والفقر الشامل.

وفي هذا الإطار شدّد على أنّ المشروع الوطني الفلسطيني هو "مشروع كامل متكامل"، وأن إقامة دولة فلسطينية "في حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس" هي الضمان لحق العودة ولوجود ديموغرافي متماسك، مؤكدًا أن المشروع الوطني إما أن يكون وطنيًا متكاملاً أو لا يكون مشروعًا وطنيًا أصلاً.

ونوّه إلى أهمية الاعتماد على قدرات شعبنا الفلسطيني في مقاومة المخططات الاستعمارية سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، وعلى "دعم وإسناد عمقنا العربي والإسلامي"، مشيرًا إلى ما تبلور في اجتماع الأمم المتحدة الأخير حيث "قالت الدول العربية كلمتها بكل وضوح بخصوص ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها". 

ولفت إلى أن هناك حصارًا مطبقًا على الضفة الغربية بعد إغلاق معبر الكرامة، ووجود "تهديدات ووعيد من قبل القيادة الإسرائيلية لشعبنا الفلسطيني وقيادتنا بشكل عام".

 

وشدّد على أهمية اتّباع "الاستراتيجية الفلسطينية في المقاومة الشعبية، كي لا تُتاح للعدو المتغطرس أي فرصة في الضفة الغربية لنقلنا من الموقع الذي نحن أقوى فيه في المقاومة الشعبية الجماهيرية إلى مواجهة عسكرية تتفوق فيها إسرائيل، ما قد يتيح لها تنفيذ إجراءات إبادة جماعية أو اقتلاع وتهجير".

وأكّد أنّ ممارسات هدم المنازل في القدس ومناطق (ب) و(ج) دليل على أن هناك استراتيجية إسرائيلية يمينية متطرّفة كاملة متكاملة يتم تطبيقها بشكل تدريجي، داعيًا إلى "إنعاش القدرات الحية" للمجتمع الفلسطيني بالمقاومة الشعبية محليًا، وبكشف هذه الممارسات دوليًا عبر فضح الاعتداءات على الأراضي والسكان والمياه، ومنع جر شعبنا الفلسطيني إلى انتفاضة مسلّحة في الضفة تتيح للاحتلال تنفيذ مخططاته.

 

وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية الإسرائيلية تهدف إلى "عملية اقتلاع وتهجير الشعب الفلسطيني بضمان أغلبية يهودية في الضفة الغربية"، ومن ثم فتح المجال أمام "عمليات الضم الهادئ" تليها "الضم الرسمي" كوسيلة للهروب من الانتقادات الدولية، محذّرًا من خطورة ذلك على المشروع الوطني الفلسطيني.

 

وفيما يتعلّق بإغلاق معبر الكرامة وتحويل الضفة إلى معازل محاطة بحواجز وبوابات حديدية، أكد د.عمرو أنّ هذه الممارسات تندرج ضمن خطة استراتيجية إسرائيلية لتفجير الوضع في الضفة الغربية، لافتًا إلى أنّ معبر الكرامة يُشكّل المنفذ الوحيد لفلسطينيي الضفة نحو الأردن، وإغلاقه يمثل تضييقًا غير مسبوق على الحركة، ويعد حصارًا ممنهجًا يقيد حرية الفلسطينيين، ويهدف بحسب تصريحات إسرائيلية إلى منع عودة القيادة الفلسطينية إلى الضفة، وبالتالي تعجيل الاعتماد على الاحتلال والتبعية له بدل الانفصال الاقتصادي الذي يشكل بداية بلورة سيادة فلسطينية.

ولفت د.عمرو إلى أن تحوّل الضفة إلى معازل يعني تجزئة الأرض الفلسطينية إلى كانتونات ومدن وقرى يتم التحكم بها عبر بوابات ذات ألوان دلالية (الأصفر غالبًا مفتوح، والبرتقالي مغلق، والأخضر يحتاج تصريحًا)، وهذه الآلية تهدف إلى حرمان الفلسطينيين من التواصل الجغرافي ومن حلم إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتحويل القضية من شأن سياسي إلى شأن إنساني. 

وأكد أن المستوطنات القائمة تقطع أوصال الضفة، وأن هناك محاولات جادة ومنهجية لضم أراضٍ، لا سيما في قرى جنوب غربي القدس، مع ما يحاول العدو الترويج له من مخططات كـ"إمارة الخليل" أو ضم مناطق (E1).

وأوضح أن اليمين المتطرف يملك استراتيجية استيطانية متكاملة تهدف إلى توفير الأمن والردع للمستوطنين، والهدف المعلن هو منع قيام دولة فلسطينية ودفع الفلسطينيين نحو خيارات بديلة كـ"الإمارات" التي يروج لها الاحتلال.

 

وحذّر د.عمرو من أن إسرائيل تسعى إلى جر الفلسطينيين من مربع قوتهم، وهو مربع الدبلوماسية والمقاومة الشعبية، إلى مربع الصراع العسكري الذي تفوق الاحتلال فيه، لكي تسوّق للعالم مزيدًا من الأكاذيب بأنها ضحية وتبرّر تحت حالة طوارئ إعلان الحرب ارتكاب ما تشاء من قتل ومصادرة واستيطان وتهجير قسري وإضعاف للسلطة الوطنية وتشتيت للقيادة وتشكيك في البنية الاجتماعية عبر بثِّ الفرقة داخل المجتمع الفلسطيني. 

وأكد أنّ مواجهة هذه الاستراتيجية تتطلب برنامجًا وطنيًا موحَّدًا يصطف خلف برنامج منظمة التحرير الفلسطينية وميثاقها، داعيًا فصائل العمل الوطني والإسلامي إلى الالتفاف حول برنامج المنظمة باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

 

وبخصوص تصاعد وتوالي الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، رأى الكاتب والمحلّل السياسي د.نعمان عمرو، في تصريح لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني، أن هذا الزخم المتزايد للاعترافات الدولية بدولة فلسطين يمكن أن يُستغل لتحويل واقع جديد على الأرض عبر حزمة من الإجراءات الدبلوماسية والتنفيذية المتناسقة. 

وقال موضحًا: "نريد أن نستثمر هذه الاعترافات لفرض واقعٍ جديدٍ، من خلال نشاط دبلوماسي منظم، رسمي وشعبي، وفضح ممارسات الاستعمار عبر دبلوماسية رقمية وشعبية، من خلال الدبلوماسية الفلسطينية والحقائق التي يسجلها ويصورها الفلسطينيون في الدبلوماسية الرقمية الشعبية".

 وأكد ضرورة التواصل مع قوى ومراكز الثقل والتكتلات العالمية لفضح ممارسات الاستعمار، واقترح بناء ما أسماه "نقاط قوة" في دول الاعتراف تحاصر الرواية الصهيونية وتعمل على تجميد الاستيطان.

 

كما اقترح د.عمرو أن تُقترن الاعترافات بحدود واضحة، حدود الرابع من حزيران، ورأى أنه "لا ضير في قبول مراقبة دولية محددة لفترة زمنية قصيرة، تتمثل في بعثات لمراقبة حقوق الإنسان ومراقبة الحدود ونشاط المستوطنين والمستوطنات، بحيث تكون هذه البعثات عاملاً ناقلاً لما يجري على الأرض وتساعد في فضح انتهاكات الاحتلال". 

وأضاف أن هنالك خطوات تكتيكية سريعة ممكن تنفيذها، منها تشكيل حزمة اعترافات موحدة لدول أو لمجموعة دول تقترن بتجميد الاستيطان واستعداد لإنعاش اقتصاد دولة فلسطين عبر فتح ممرات دولية عاجلة لإنعاش الوضع الاقتصادي ومكافحة المجاعة، بخاصة في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن إمكانية ذلك مرهونة تفعيل مؤسسات الدولة الفلسطينية وتحديثها ضمن برامج وآليات وأطر عمل، مع الإقرار بأن هناك عقوبات وإجراءات انتقامية إسرائيلية متوقعةمثل إغلاق معبر الكرامة كرد فعل.

وأكّد د.عمرو بالتأكيد على أنّ الجهد المطلوب يتطلّب برنامجًا وطنيًا موحدًا لإنهاء الانقسام، ويُظهر للعالم أن الفلسطينيين جاهزون للقيام بمهامهم ضمن دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، مشدِّدًا على أن ذلك بحاجة لاستراتيجية وطنية قائمة على برنامج وميثاق منظمة التحرير الفلسطينية.

 

وختم بأنّ الإمكانية قائمة رغم الفيتو الأمريكي والإجراءات العقابية الإسرائيلية المتوقعة، مؤكدًا أهمية العمل على الحد من هذه الإجراءات عبر حشد الدعم الدولي لمنع ضم أجزاء من الضفة الغربية أو قطاع غزة، وتحويل الاعترافات إلى أدوات عملية تحفظ الأرض والحقوق وتكفل وجودًا سياسيًّا لا يمكن تجاوزه.