منذ ما يقارب العامَين، يعيش قطاع غزة واحدة من أفظع الجرائم ضد الإنسانية التي حوّلت القطاع إلى ميدان إبادة جماعية مُمنهَجة. فالمجازر المتكررة، وعمليات القصف الواسعة، وقرارات التهجير القسري، كلها مشاهد تكشف أنّ الأمر يتجاوز مجرد مواجهة عسكرية محدودة، ليأخذ بعدًا استراتيجيًا أوسع يستهدف صياغة الواقع الفلسطيني سياسيًا وجغرافيًا وديموغرافيًا.
هذا ما أكّدته الأكاديمية والباحثة في الشأن الفلسطيني د.منى أبو حمدية، في تصريح خاص لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني، حيث رأت أنّ "الحرب على غزة تحوّلت إلى حدث استراتيجي واسع يحمل أبعادًا تتجاوز الشعار المُعلَن عن تفكيك قدرات حماس"، لافتةً إلى أنّ طبيعة العمليات العسكرية واتّساع نطاق الاستهداف يوحيان بأنّ ما يجري هو محاولة لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني برمّته.
وأوضحت أنّه على الصعيد العسكري فإنّ التدمير المنهجي للبنية التحتية المدنية والعسكرية يخلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا يصعب ملؤه بقدرة فلسطينية مستقلة.
أمّا على المستوى السياسي، فأشارت إلى أنّ الضربات لم تقتصر على قدرات الفصائل، بل طالت مؤسسات الحكم والإدارة المحلية، في مسعى لإضعاف أي سلطة فلسطينية قائمة وتهيئة المجال لسيناريوهات حكم بديلة تحت إشراف خارجي أو ضمن ترتيبات إسرائيلية غير مباشرة.
وعلى الصعيد الجغرافي والديموغرافي، قالت د.أبو حمدية إنّ "سياسات التهجير الجماعي وأوامر الإخلاء وتجريف الأحياء تشير إلى توجه لإعادة توزيع السكان ورسم خرائط جديدة للقطاع بما يخدم أهداف السيطرة"، مؤكدة تكامل ذلك مع البُعد الاقتصادي، حيث تُطرح إعادة الإعمار في هذا السياق "ليس فقط كعملية لإصلاح الدمار، بل كأداة لإعادة هندسة البنية الاقتصادية بما يُقصي أصحاب الأرض ويعزّز هيمنة أطراف خارجية".
ولفتت أيضًا إلى أنّه على صعيد المجال الدولي والقانوني فإنّ الحرب دخلت مرحلة محاسبة متصاعدة، مع تنامي الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما يفرض تحديات على إسرائيل ويحدّ من قدرتها على فرض وقائع نهائية دون مساءلة.
وشدّدت على أنّ الحرب على غزة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن المشروع الإسرائيلي الأشمل، إذ تشكل محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسيًا وجغرافيًا وديموغرافيًا، لافتةً إلى أنّ هذه المحاولات، رغم خطورتها، "تواجه كوابح موضوعية تتمثل في الضغوط الدولية والجهود القانونية والمقاومة الشعبية الفلسطينية، ما يجعل نتائجها غير محسومة".
وبالانتقال إلى المشهد في الضفة الغربية، اعتبرت د.أبو حمدية أنّها تشهد اليوم أخطر المراحل بفعل الاستيطان المكثف ومحاولات الضم الزاحف وفرض وقائع جديدة في القدس ومحيطها". وأشارت إلى أنّ هذه السياسات "تهدف بصورة مباشرة إلى تقويض إمكان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، كونها لا تستهدف الجغرافيا فقط، بل الهوية الوطنية والحق التاريخي للشعب الفلسطيني".
وأكّدت أنّ "انعكاسات هذا المسار خطيرة للغاية على مستقبل القضية الفلسطينية، إذ تسعى إسرائيل إلى تحويل الاحتلال إلى واقع دائم، وطمس حل الدولتين، وفرض نظام تمييز عنصري مقنّن".
وأضافت د.أبو حمدية: "وفي مواجهة ذلك، فلا خيار أمام شعبنا سوى تعزيز معركة الصمود اليومية، عبر حماية الأرض ومقاومة التهجير وتثبيت الوجود الفلسطيني بكل أشكاله"، مؤكّدةً في هذا السياق أيضًا أهمية توظيف الشرعية الدولية كإطار ناظم من خلال توثيق الانتهاكات أو تفعيل القرارات الأممية وتوسيع دائرة التضامن العالمي.
ورأت أنّ "الوحدة الوطنية الفلسطينية شرط أساسي لمواجهة هذه التحديات، فهي وحدها القادرة على توحيد الطاقات الشعبية والسياسية وإفشال مشاريع الاحتلال التي تراهن على الانقسام"، مؤكدةً أنّ بناء جبهة فلسطينية موحّدة، ترتكز على برنامج وطني جامع، هو المدخل الطبيعي لتعزيز الصمود وتكريس الحقوق المشروعة لشعبنا.
وفي قراءتها للمؤتمر الدولي للسلام الذي عقد بنيويورك وما رافقه من حراك دبلوماسي، اعتبرت د. أبو حمدية أنّ "المؤتمر الدولي للسلام وما رافقه من اعترافات متزايدة بدولة فلسطين يعكس تحولاً مهمًا في المزاج الدولي باتّجاه إقرار الحق الفلسطيني وإبراز عزلة السياسة الإسرائيلية، ويكشف عن إدراك متنامٍ لدى المجتمع الدولي بأنّ استمرار الاحتلال وسياسات الاستيطان يقوّض الاستقرار الإقليمي ويقمع حقًّا تاريخيًا مشروعًا".
وقالت: "إنّ استثمار هذا المناخ يتطلّب تعزيز التحرك الفلسطيني على مستويين: الأول دولي، بالبناء على الاعترافات المتزايدة وتفعيل القرارات الأممية ضمن استراتيجية قانونية ودبلوماسية متماسكة؛ والثاني داخلي، من خلال وحدة وطنية تعطي لهذا الاعتراف زخمًا سياسيًا وشعبيًا يرسّخ مكانة فلسطين كحقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها".
وبتقييمها رأت د.أبو حمدية أنّ تنامي الاعترافات بدولة فلسطين لا يفتح فقط نافذة لتعزيز الموقف الفلسطيني، بل يكشف أيضًا تراجع جاذبية الرواية الإسرائيلية وتزايد عزلتها على الساحة الدولية.
أمّا عن "اليوم الدولي للسلام"، والذي حل قبل أيام في وقت يواجه شعبنا حربًا إباديّة، فرأت د.أبو حمدية أنّه يجسد مفارقة صارخة، بين القيم التي يرفعها المجتمع الدولي وبين الواقع الدموي المفروض على الفلسطينيين.
وقالت: "هذه الازدواجية تكشف محدودية الخطاب الأممي حين ينفصل عن الفعل، وتضع العالم أمام اختبار جدي لصدقيّة التزامه بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان".
وأضافت: "في المقابل، تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به القيادة الفلسطينية، وفي طليعتها السيد الرئيس محمود عبّاس وحركة "فتح"، في ربط القضية الفلسطينية بأطر الشرعية الدولية، وإبقائها حاضرة في صلب الأجندة الأممية. هذا الدور يوفّر غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا لشعبنا، ويحوّل معركة البقاء اليومية إلى قضية عالمية تستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة".
وختمت د.منى أبو حمدية تصريحها لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني بالتأكيد على أنّ "المفارقة بين خطاب السلام وواقع الحرب تفضح ازدواجية المعايير الدولية، لكنّها في الوقت نفسه تبرز قيمة المراكمة الدبلوماسية الفلسطينية كركيزة أساسية لحماية حقوق شعبنا وتعزيز حضور قضيتنا في النظام الدولي".
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها