عندما نتحدث عن الاستشهاد، يخطر في بالنا الفرد الذي يواجه الموت في سبيل وطنه أو قيمه. لكن التاريخ يعلمنا أن الاستشهاد قد يتجاوز الفرد ليصبح خيار حركة أو جماعة أو تنظيم بأكمله، حين تختار التضحية بنفسها من أجل إنقاذ الشعب والمستقبل.
اليوم، ما يجري في غزة ليس مجرد حرب على حركة مسلحة. إسرائيل وأمريكا ترفعان شعار "نقاتل حماس ونحرر الرهائن"، لكن الحقيقة أن الهدف أبعد وأخطر: تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه وتفريغ غزة. وهنا يبرز سؤال استراتيجي: ماذا لو قررت حماس أن تخطو خطوة استشهادية كبرى لا تقل بطولة عن استشهاد الأفراد في الميدان؟ ماذا لو فاجأت العالم بسحب الرهائن سرًّا إلى مصر، ثم أعلنت على الملأ: "نحن نتنازل عن الحكم والسلاح، ونضع مصيرنا بيد شعبنا وأمتنا، ولن نكون ذريعة لاقتلاع أهلنا من أرضهم"؟.
خطوة كهذه ستؤدي إلى نتائج زلزالية. لن يبقى هناك أي مبرر لإسرائيل وأمريكا للاستمرار في التدمير، فالرهائن في أمان وحماس تخلّت عن الحكم. وسينكشف المشروع على حقيقته، فالعالم كله سيرى أن الهدف لم يكن تحرير رهائن ولا محاربة حماس، بل اقتلاع الشعب واحتلال الأرض. وستتعزز مكانة مصر لأنها ستكون صاحبة الكلمة العليا، بيدها ورقة الرهائن ومفتاح الحل، وهذا سيقوي موقعها الإقليمي والدولي. أما صورة حماس، فستتحول من حركة محاصرة ومتهمة بأنها السبب في الكارثة إلى حركة استشهادية قدمت نفسها قربانًا لإنقاذ الملايين.
وليس هذا غريبًا على مسار التاريخ. ففي صلح الحديبية بدا الاتفاق أول الأمر تنازلًا مؤلمًا، لكنه كان أعظم فتح سياسي مكّن الإسلام من التمدد. وما يُنظر إليه كهزيمة قد يكون في جوهره بداية النصر. وفي التجربة الفلسطينية، انسحاب المقاومة من بيروت عام 1982 لم يكن انتصارًا عسكريًا، لكنه أنقذ العاصمة اللبنانية من الاحتلال المباشر، وأثبت أن التضحية بالوجود المسلح في لحظة معينة قد تحفظ الكيان الأكبر. وفي العالم، المهاتما غاندي في الهند ونلسون مانديلا في جنوب أفريقيا قادا حركات جماهيرية قدمت نفسها للاستشهاد السياسي والنضالي، فانتزعت شرعية أخلاقية أسقطت أكبر الإمبراطوريات بلا رصاصة واحدة.
قد يقول قائل إن هذه الفكرة "انتحار سياسي وعسكري"، لكنها في الحقيقة استشهاد تاريخي يحوّل الخسارة إلى إرث خالد. فالاستشهاديون ليسوا فقط من يفجرون أجسادهم في وجه الدبابات، بل هناك حركات استشهادية قد تختار أن تفجر ذاتها السياسية من أجل أن يبقى الوطن. نحن لا نتحدث عن فعل عادي أو طبيعي، نحن نتحدث عن فعل خلاق، نوعي، إبداعي، مفاجئ، زلزال تستطيع أن تفعله حماس وتربك الجميع. فالتاريخ لا يخلد من يحكم، بل من يضحي. وإن أقدمت حماس على هذه الخطوة، فإنها ستكتب اسمها في سجل الحركات الاستشهادية الكبرى، وتترك إسرائيل وأمريكا مكشوفتين أمام ضمير العالم.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها