على وقع انعقاد المؤتمر الدولي للتسوية السلمية لقضية فلسطين في الأمم المتحدة، ارتسمت لحظة سياسية فارقة حملت فيها كلمة السيد الرئيس محمود عباس دلالات استثنائية، إذ قدّم خطابًا سياسيًا متكاملاً وضع به المجتمع الدولي أمام استحقاقات واضحة لحماية حل الدولتين وصون الحقوق الوطنية الفلسطينية. وفي ظلّ الحراك الدبلوماسي المتسارع واللقاء المرتقب للرئيس الأميركي دونالد ترامب مع قادة دول عربية وإسلامية، جاء الخطاب ليؤسس لمرحلة دبلوماسية جديدة تكرّس الشرعية الدولية، وتسحب الذرائع من دعاة التطرف، وتعيد توجيه البوصلة نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أرضها بعاصمتها القدس.
وفي هذا السياق أكد الصحافي والكاتب السياسي حميد قرمان في تصريح لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني أنّ "سيادة الرئيس محمود عبّاس قدّم خطابًا سياسيًا متكاملاً أمام المؤتمر الدولي من أجل التسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حل الدولتين، وهو خطاب يؤسس لأرضية دبلوماسية شاملة تنطلق منها أطراف وازنة في المجتمع الدولي عبر التزام فلسطيني واضح بخطوات إصلاحية ملموسة داخل هياكل السلطة الفلسطينية تشكل مسارًا نحو دولة متجسدة على الأرض بقوة القانون، مما يسحب الذرائع من أصحاب الميليشيات والأيديولوجيات اليمينية المتطرفة من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، في سبيل أن ينعم شعبنا الفلسطيني بحقه في تقرير مصيره؛ سواءً بالوجود على أرضه أو بتحقيق السلام من خلال إقامة دولته المستقلة بجانب (دولة إسرائيل)".
ورأى قرمان أنّ الالتزامات التي عبّر عنها السيد الرئيس تمثّل خارطة طريق عربية واقعية، تسبق اللقاء المرتقب اليوم بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة دول عربية وإسلامية (السعودية، الأردن، مصر، الإمارات، تركيا، قطر، إندونيسيا، وباكستان)، لافتًا إلى أنّ ذلك سيمنح قادة هذه الدول ورقة ضغط ستفرغ العقبات الأمريكية من مضمونها؛ من خلال إيجاد أبعاد سياسية واستراتيجية مشتركة تصب في نهاية الزخم الدبلوماسي الحالي بالدفع لتحقيق إرادة الشعب الفلسطيني، ودعم حقوقه المشروعة وفق قرارات الشرعية الدولية وصولاً إلى سلام حقيقي بين شعوب المنطقة.
وشدّد قرمان على أنّ هناك حقيقة يجب التمسك بها فلسطينيًا قبل أي شيء آخر، وهي أنّ "إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لن تستطيع أن تدير ظهرها لدول عربية وازنة في الساحة الدولية حليف لها في منطقة الشرق الأوسط أو في القارة الأوروبية، فقط من أجل إرضاء حكومة يمينية إسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، لم يتبقَّ من عمرها في سدة حكم تل أبيب سوى أقل من عام، ولن تستطيع إدارة ترامب الذهاب نحو تنفيذ مشاريع سياسية دون شراكة حقيقية مع دول المنطقة ضمن رؤية سياسية واقعية تحقق السلم والأمن والاستقرار الذي تسعى إليه الولايات المتحدة من منظور الحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط".
وأشار إلى أنّ ما سبق ينطبق أيضًا بشكل أو بآخر على بنيامين نتنياهو، الذي يدرك في هذه اللحظات أنّ المقامرة بعلاقات دولة إسرائيل مع دول العالم سيكون الثمن لإرضاء أقطاب حكومته اليمينية المتطرفة، فالعالم ليس الولايات المتحدة فقط، وهو ما يضعه وائتلافه الحكومي أمام واقع موجة الاعترافات المتلاحقة بالدولة الفلسطينية وما تمثله من تصحيح لمسار التاريخ والصراع، وفشل لمشاريع التصفية ومحاولات إزاحة القضية الفلسطينية، وفق نهج ومنطق كرّسا قوة العلاقات الدولية ودبلوماسيتها، وقد تجلّى ذلك في كلمات جميع قادة الدول المشاركة في المؤتمر الدولي على منبر الأمم المتحدة، والتي لم تتمكّن واشنطن من منعها أو عرقلتها".
وأضاف أنّ "وضوح معطيات الالتزامات السياسية الفلسطينية يخلق هامشًا لتعديل رؤى وصفقات أمريكية طُرِحَت سابقًا، خاصة أن التعويل على تقدم سياسي مكتسب من قبل إدارة الرئيس ترامب في فترة ولايته الرئاسية الثانية، بعد أن أنتج الصراع في الشرق الأوسط معادلات سياسية أنهت مشاريع ومحاور إقليمية، فالحديث الآن يدور حول (مبادئ) ينطلق منها ترامب بالتوافق مع أطراف عربية وإسلامية لإنهاء الحرب على غزة، والمتركزة في جوانبها على: إطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين، وإنهاء الحرب، وانسحاب جيش الاحتلال من القطاع، وخطة شاملة بشأن (اليوم التالي) تمنح السلطة الوطنية الفلسطينية دورًا في القطاع".
وختم قرمان تصريحه قائلاً: "إنّ توظيف لقاء الرئيس ترامب مع قادة ثماني دول عربية وإسلامية، سيوفر فرصة ذهبية كانت مفقودة منذ نحو عقدين لكسر جمود عانت منه القضية الفلسطينية بسبب انغلاق أفق أيديولوجيات يمينية (مليشيات وأنظمة حكم) عاثت بمصائر الشعوب بمزيد من الحرب والدمار من أجل تحقيق أوهام وجودية أو توسعية".
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها