مع دخول العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يومه الـ 714، تتكشّف أبعاد جديدة من جرائم الاحتلال، إذ لم يكتفِ العدو بسياسة القتل والتدمير الممنهج، بل ذهب إلى تبنّي خطاب علني عبر مؤسساته الرسمية يعامل قطاع غزة كـ"عقار قابل للبيع أو للتقسيم"، في محاولة لشرعنة مشروع التهجير القسري وتفريغ الأرض من سكانها. هذا الخطاب الذي يوازي المجازر الميدانية، يضع المجتمع الدولي أمام امتحان جديد حول التزامه بالقانون الدولي، ويفتح الباب لأسئلة جوهرية حول ما يُخطَّط للقضية الفلسطينية على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، أكّد القيادي في حركة "فتح" وعضو اتحاد الصحافيين الفلسطينيين موسى الصفدي، في تصريح خاص لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني، أنّ "قراءة هذه الطروحات تتطلّب وضعها في إطار أوسع من مجرد تصريحات إعلامية أو خطابات دعائية، لأنها تعبِّر عن جوهر المشروع الصهيوني منذ نشأته، القائم على ثلاثية الاستيطان عبر جلب المستوطنين وتكثيف وجودهم؛ والاقتلاع عبر تهجير السكان الأصليين وإحداث فراغ ديمغرافي؛ وإعادة تشكيل الأرض باعتبارها عقارًا قابلاً للبيع أو للتقسيم أو للتوظيف بما يخدم المشروع الاستيطاني". 

وأوضح أنّ "خطورة هذا الطرح في السياق الراهن تكمن على صعد عدة أبرزها: أولاً: شرعنة التهجير القسري من خلال تحويل غزة من أرض يعيش عليها شعب أصيل إلى "عقار"، وهو ما يعني تجريدها من بعدها السياسي والتاريخي، لتُختزل في قيمة اقتصادية أو جغرافية قابلة للتصرّف، وهو ما يشكل تهيئة لتبرير طرد السكان.

 وثانيًا: تسويق التطبيع الإقليمي عبر التعامل مع غزة كملف استثماري، قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية أو دولية للانخراط في مشاريع تحت عنوان "إعادة الإعمار" أو "تنمية ساحلية"، لكنها في الجوهر تصفية لحق العودة والسيادة الفلسطينية.

وثالثًا: خطورة تغيير الوعي الدولي، حيث أن إسرائيل تراهن على اعتياد العالم خطاب "الأرض بلا شعب"، عبر تصوير غزة كعبء إنساني أو كـ"مشروع فاشل"، وبالتالي يصبح تفريغها أو إعادة توزيع سكانها حلاً مقبولاً لدى بعض الأطراف.  

أما رابعًا: فاستكمال حلقات التجزئة، حيث إنه إذا نجح هذا الطرح في غزة، فإنه يُعمّق استراتيجية تقسيم الأرض الفلسطينية إلى كانتونات محاصرة، ويُبعد أي إمكانية لتشكيل وحدة جغرافية أو سياسية فلسطينية قابلة للحياة.

وحول مسؤولية المجتمع الدولي أمام جريمة الإبادة والتجويع كسلاح حرب، شدّد الصفدي على أنّ "القانون الدولي واضح، فالإبادة الجماعية والتجويع والنزوح القسري ليست مجرد انتهاكات، بل جرائم منصوص عليها في اتفاقيات جنيف ونظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي المجتمع الدولي ملزم قانونيًا وأخلاقيًا بالتحرك لا بالاكتفاء بالإدانة". 

وبيّن أنّ تقارير الأمم المتحدة ووثائقها تشكّل أرضية قانونية لإطلاق مسارات المحاسبة، إلا أن العجز في الإرادة السياسية يعود إلى الفيتو والمصالح الجيوسياسية.

 ورأى الصفدي أنّ المطلوب دوليًا فرض عقوبات، وتفعيل مبدأ "مسؤولية الحماية"، ودعم مسارات المحكمة الجنائية الدولية، ووقف تصدير السلاح المستخدم في الجرائم.

 أما فلسطينيًا، فاعتبر أنّ الأولوية تكمن في تعزيز الوحدة الوطنية وتجاوز الانقسامات التي تُضعف الموقف الفلسطيني، وبناء خطاب حقوقي يستثمر توثيقات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية لربط القضية بجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب توسيع الشراكات مع المجتمع المدني العالمي وحركات المقاطعة.

 وعلى الصعيد العربي، دعا الصفدي إلى الانتقال من بيانات التضامن إلى تحرك دبلوماسي منسق في المحافل الدولية، وربط العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية مع القوى الكبرى بوقف الجرائم ضد أبناء شعبنا، واستثمار الأدوات الاقتصادية (مثل الطاقة، والأسواق، والاستثمارات) كسلاح ضغط فاعل على الأطراف المتورطة أو الصامتة، وتفعيل دور المؤسسات العربية (كالجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي) لتوحيد الموقف. 

وفي ما يخصّ قرارات المحكمة الجنائية الدولية الأخيرة، ومدى إمكانية تحولها إلى أدوات ردع حقيقية، رأى الصفدي أن الأمر مرهون بعوامل محددة هي: الشرعية القانونية، والضغط الدبلوماسي والسياسي، والتنفيذ العملي، وتراكم السوابق، وقوة الحركات الشعبية والإعلامية.

  وقال الصفدي موضحًا: "مذكرات التوقيف بحق قادة الاحتلال تحمل قيمة رمزية وقانونية كبيرة، لأنها تثبت وجود اعتراف أممي بوقوع جرائم حرب وإبادة، ما يعزز خطاب الضحايا ويضع القادة المتهمين تحت طائلة القانون أينما سافروا". وأضاف أنّ هذه القرارات، حتى وإن لم يُنفّذ التوقيف مباشرة، فإنّها تضيق هامش المناورة السياسية والدبلوماسية على قادة الاحتلال، وتجعلهم في موقع الدفاع الدائم عن أنفسهم أمام الرأي العام الدولي، لافتًا إلى أن العقبة الأساسية تبقى غياب آليات تنفيذ قوية في ظل حماية بعض القوى الكبرى للكيان. 

لكنه شدّد على أنّ "تراكم السوابق وتكرار الملاحقات وإصدار مذكرات بحق قادة الاحتلال قد يراكم عزلة دولية، ويحوّل هذه القرارات من مجرد رمزية إلى أداة ردع فعّالة"، مستشهدًا بتجارب تاريخية انتهت بمحاكمة قادة ارتكبوا جرائم مشابهة.

 كما أكّد أنّ قوة الحركات الشعبية والإعلامية تلعب دورًا محوريًا في استثمار هذه القرارات كسلاح معنوي بيد الشعوب، لإحراج الحكومات المتواطئة وزيادة كلفة استمرار الجرائم.

أمّا عن دور الإعلام الفلسطيني والعربي، فرأى الصفدي أنّ "الإعلام أمامه مهمة صعبة، لكنه يمتلك أدوات قوة إذا أحسن توظيفها". 

واعتبر أنّ الأولوية هي تفكيك خطاب الاحتلال وكشف التزوير عبر رصد وتفنيد الرواية الإسرائيلية التي غالبًا ما تبرّر الجرائم أو تقلب الضحية إلى جلاد، وتقديم الأدلة الموثقة بالصور والفيديو والشهادات الميدانية، بما لا يترك مجالًا للالتباس. كما شدّد على ضرورة تثبيت الرواية الفلسطينية من خلال التركيز على البعد الإنساني وإبراز القصص الشخصية للشهداء والجرحى والأسرى، مع الحفاظ على حضور اللغة الحقوقية والقانونية في الخطاب الإعلامي، لتبقى القضية مفهومة عالميًا وليست مجرد نزاع محلي.

وأكّد الصفدي أهمية التوجّه للعالم بلغاته عبر إنتاج محتوى مهني بعدة لغات ونشره في المنصات الرقمية المؤثرة، واستخدام تقنيات السرد البصري التي تجذب الجمهور العالمي، إضافةً إلى استثمار الإعلام الرقمي والصحافة المواطنية في نقل صور حيّة تفضح الجرائم. 

ولفت إلى أهمية بناء جسور مع الإعلام العالمي الحر، والعمل بشكل أكثر تنسيقًا بين المؤسسات الفلسطينية والعربية من خلال خطاب موحّد ومسؤول، مشدّدًا على أنّ "المصداقية والدقة هما السلاح الأقوى في مواجهة ماكينة التضليل الإسرائيلية".