في صباح يخيّم فيه مزيد من الاقتحامات والبوابات الحديدية على مداخل المدن والقرى في الضفة، تبدو الحياة اليومية للفلسطينيين ممتلئة بعوائقٍ ملموسةٍ: حواجز متزايدة، مستوطنون يتجولون بلا رادع، وأسواق ومزارع مُعرّضة للتنكيل، وصولاً إلى تحوُّل مداخل المخيماتٍ إلى نقاط تفتيش دائمة.
هو مشهد يومي يسجل ملامح سياسة إسرائيلية ممنهجة تجاه الضفة الغربية والقدس الشرقية والمخيمات الفلسطينية، تهدف إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية، وخلق أمر واقع، وقطع الطريق على إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة العتيدة، التي يعترف بها العالم كله، باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبضع دول حليفة لها، بحسب الأكاديمي والباحث السياسي د.أسعد العويوي.
ويرى د.العويوي في حديثه الخاص لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني أنّ هذه السياسة الإسرائيلية ليست بجديدة، ولكنّ وتيرتها قد ازدادت ما بعد السابع من أكتوبر بشكل متسارع جدًا، لا سيما في ظل التضامن الدولي مع شعبنا الفلسطيني والاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.
وأكّد أنّ الهدف من ذلك منع قيام أي كيان فلسطيني وطني يتمثل في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة عبر الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، مشيرًا إلى أنّ "هذه الاستراتيجية الإسرائيلية تعكس السياسة الممنهجة لليمين الإسرائيلي الذي يحكم دولة الاحتلال ويمثل الأغلبية الساحقة، وبالتالي كان اتخاذ القرار بأغلبية أعضاء الكنيست بما يفضي إلى منع قيام أي دولة فلسطينية، أو أي دولة ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط غير دولة إسرائيل".
وفيما يتعلّق بالانقسام السياسي داخل إسرائيل، قال د.العويوي إنه بالرغم من الانقسام الداخليَّ في إسرائيل، فإنّ ما يتصدّر المشهد في الحكومة الإسرائيلية هو اليمين الفاشي الإسرائيلي المتمثل بالليكود وحلفائه من أحزاب اليمين الديني المتطرف.
وأوضح أنّ الغالبية العظمى من المجتمع الإسرائيلي تنحو نحو اليمين، لذا فالمعارضة الإسرائيلية التي تتصدّرها أحزاب وشخصيات غير وازنة، ويقود جزءًا كبيرًا منها أهالي الرهائن الإسرائيليين، هي فعليًا لا تشكل تهديدًا للحكومة اليمينية، ولم تتمكن من تغيير السياسات الراهنة، أو تحقيق هدفها في إنهاء الحرب، لافتًا إلى أنّ نسبة كبيرة من المعارضة تعتبر هذه الحرب بلا هدف وبلا جدوى.
وبيّن أن هذه الحرب "فضحت إسرائيل وأظهرت الحقيقي بأنها دولة فصل عنصري تمارس الإبادة الجماعية والتطهير العرقي"، مستنكرًا ما يجري في غزة من عمليات تدمير يُعلن عنه صراحةً من قبل قيادات الاحتلال.
وبخصوص الجهود الدولية لفرض عقوبات على المستوطنات، رأى د.العويوي أن "المجتمع الدولي وما تسمي نفسها بالدول الديمقراطية والحرة في العالم يجب عليهم فرص عقوبات على دولة الاحتلال الإسرائيلية لأنها هي التي تقيم المستعمرات، وتشجع المستوطنين اليهود على الانقضاض على الأرض الفلسطينية وعلى المزارع الفلسطيني، وهي التي تنكّل بالفلسطينيين، وتحوّل حياتهم وتنقلهم ما بين المدن في الضفة الغربية إلى جحيم، ضمن سياسة إرهاب ممنهج تمارسه دولة الاحتلال لتنغيص حياة الأهالي، ودفع الشباب الفلسطيني إلى الهجرة الطوعية".
وأوضح أنّ العقوبات إذا اقتصرت على المستوطنات فقط فستكون ضعيفة الأثر، وأن الهدف الفعّال يبدأ بفرض عقوبات على دولة الاحتلال التي تحمي المستوطنين وتقدّم لهم الغطاء المالي والعسكري والأمني، وتبني وتحمي المستوطنات وتشرعن سياساتها المخالفة للقانون الدولي.
وتطرّق د.العويوي إلى تواتر نصب البوابات الحديدية والحواجز العسكرية في الضفة، وقال إن حياة الفلسطينيين أصبحت ما بعد السابع من أكتوبر صعبة جدًا، حيث تفصل أكثر من ألف بوابةٍ المدن والقرى عن بعضها البعض وتحوّل التنقل اليومي إلى جحيمٍ أمام الموظف والعامل والتاجر، وتعرقل استيراد ونقل البضائع بين المناطق.
وأكد أن هذه الحواجز والبوابات تأتي في إطار سياسة تنتهجها وزارة الدفاع الإسرائيلية ترجمةً لقرار سياسي إسرائيلي يهدف إلى فرض ظروفٍ قاسية تمنع ممارسة الحياة الطبيعية لدى الفلسطينيين، لافتًا إلى أنّ قوات الاحتلال لا تعترف بكيانٍ سياسي فلسطيني مستقل بل تعتبر الفلسطينيين "مجموعات سكانية متناثرة" تعيش في مناطق يُسميها الاحتلال (يهوذا والسامرة).
وختم د.أسعد العويوي حديثه لموقع "فلسطيننا" بالتأكيد على أن ما يجري من سياساتٍ واستراتيجياتٍ إسرائيلية، سواء عبر المستوطنين أو عبر الإجراءات العسكرية والحواجز، هو مشروع ممنهج يسعى إلى عزل الفلسطينيين جغرافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وذلك لمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافيًا في المستقبل.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها