مع تصاعد اقتحامات الاحتلال للمخيمات والبلدات في مدن عدة بالضفة، وفرض الحواجز والبوابات الحديدية، وتكثيف الحملات الأمنية والاعتقالات، تتبدّى مشاهد يومية تُعيد تشكيل المشهد الميداني على أرض الواقع، وتُثير أسئلة حول طبيعة الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية وراء هذه الإجراءات.
وفي هذا السياق، قال المتخصّص في العلوم السياسية والدراسات الإسرائيلية، عبد العظيم عبد الحق، في تصريح لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني، إنّ ما يجري في الضفة الغربية، وخصوصًا في طولكرم وجنين، ليس مجرد عمليات أمنية متفرقة، بل يعكس سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الميداني وفرض سيطرة جديدة.
وأضاف أنّ هذه السياسة تقوم على أربعة مستويات مترابطة: أولها محاربة ما تزعم إسرائيل أنه مقاومة مسلحة، وذلك عبر تركيز الاحتلال على المخيمات باعتبارها مراكز للمسلحين، بينما تُستخدم هذه الذريعة لتحقيق أهداف أوسع تتعلق بالسيطرة على الأرض وتفكيك البنية الفلسطينية وتهيئة الضفة لضمّ تدريجي وتوسع استيطاني.
ولفت إلى أنّ البعد الثاني في هذه السياسة يتمثّل في إحراج السلطة الوطنية الفلسطينية وإضعاف مكانتها، وأشار إلى أنّ جوهر هذه السياسة لا يتوقف عند استهداف (مسلحين)، بل يتعداه إلى خلق فجوة بين الجماهير والسلطة الوطنية الفلسطينية، موضحًا: "فبينما تلتزم السلطة بخيار سياسي ودبلوماسي لا يتضمن العمل العسكري، يخرج بعض الأفراد أو المجموعات ليحملوا السلاح، ما يمنح إسرائيل ذريعة لاقتحام المخيمات. وفي نظر الناس، يتحول الأمر إلى لوم السلطة لأنها (لا تتدخّل عسكريًا) لحماية هؤلاء، وهو ما يؤدي إلى اهتزاز صورتها أمام جمهورها، ويفتح المجال أمام إسرائيل لاستثمار هذا الشرخ".
أما المستوى الثالث، بحسب عبد الحق، فيتمثّل في انتهاج العقاب الجماعي كوسيلة ضغط، منوّهًا في هذا الإطار إلى أن إغلاق الطرق، وتقييد الحركة، واستهداف البنية التحتية، ليست ممارسات ذات أهداف أمنية فقط، إنّما توظّف كآلية ضغط جماعي لإرهاق المجتمع المحلي والتضييق عليه، وبالتالي تحويل حالة السخط الشعبي إلى تصادم داخلي فلسطيني بدلًا من توجيهها للاحتلال.
واعتبر أنّ رابع أهداف هذه الإجراءات هو تهيئة المشهد السياسي للضمّ والتوسع؛ وقال إنه من منظور الاحتلال فإن هذه العمليات لا تُعدّ مجرد معارك أمنية آنية، بل خطوات تراكمية نحو فرض أمر واقع يسهل عليه لاحقًا استكمال مشروعه في ضمّ الضفة الغربية وإنهاء حلم الدولة الفلسطينية المتصلة جغرافيًا.
وبيّن عبد الحق أنّ خطورة هذه السياسة تكمن في أنّها تجعل من "ذريعة المقاومة" وسيلة لإضعاف السلطة الوطنية من جهة، ومنح إسرائيل حرية أكبر لممارسة اقتحاماتها من جهة ثانية، مؤكدًا أنّ التحدي الذي نواجهه اليوم لا يكمن فقط في التصدي للاحتلال، بل أيضًا في عدم منحه الذرائع التي يستخدمها لتسويق جرائمه، وحرمانه من ورقة الضغط التي يوظفها لإضعاف الشرعية الفلسطينية المتمثّلة في السلطة ومنظمة التحرير.
وبالانتقال إلى الشأن الداخلي الإسرائيلي، وتحديدًا تداعيات الانقسام داخل الكيان وخلافات نتنياهو مع المؤسستين الأمنية والعسكرية، رأى عبد الحق أن هذه الخلافات المتصاعدة لم تعد مجرد تباين في الرأي بل تحوّلت إلى أزمة قيادة داخلية تلقي بظلالها على مجمل المشهد الإسرائيلي وإدارة الحرب والملف الفلسطيني.
وأوضح أنّ المؤسستين العسكريتين تريان أن استمرار الحرب بالوتيرة الحالية يهدّد الأمن القومي ويعمّق عُزلة إسرائيل الدولية، بينما يصرّ نتنياهو على المضي في سياسات التصعيد كوسيلة للهروب من أزماته الشخصية وتنفيذ أجندته الأيديولوجية المرتبطة بالمشروع الاستيطاني.
وأضاف: "لكنّ الأهم أن هذا الانقسام لا ينعكس فقط على إدارة الحرب، بل أيضًا على الواقع الفلسطيني. فكلّما اشتد الخلاف داخل إسرائيل، لجأ نتنياهو إلى تصعيد ميداني أكبر ضد الفلسطينيين، محاولًا توحيد الداخل الإسرائيلي عبر (الخطر الخارجي). وهذا يعني أنّ الفلسطينيين يدفعون ثمن الأزمة الداخلية في إسرائيل بشكل مباشر: مزيد من الاقتحامات في الضفة، تشديد للحصار على غزة، وتسريع لوتيرة الاستيطان كرسالة قوة داخلية".
وأشار عبد الحق إلى أن الأزمة القائمة في إسرائيل لا ينبغي أن تُقرأ فقط كخلاف داخل أروقة الحكم هناك، بل كجزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع تُحاول من خلالها تحويل الانقسام الداخلي إلى أداة ضغط إضافية على الفلسطينيين، إذ تسعى إسرائيل إلى تصدير مشاكلها للواقع الفلسطيني، وتوظيفه كبوابة للهروب من مواجهة أسئلتها الداخلية حول القيادة، والشرعية، ومستقبل الدولة.
وشدّد على أن مواجهة ذلك تفرض على شعبنا الفلسطيني وقيادتنا الوطنية التعاملَ مع هذه الأزمة بوعي سياسي، وإدراكَ أنّ ضعف إسرائيل الداخلي لا يعني بالضرورة انفراجًا للفلسطينيين، بل قد يتحول إلى أدوات ضغط إضافية عليهم إذا لم تُدار المواجهة بحكمة وبتجنيب الاحتلال أي ذرائع إضافية.
أمّا بشأن إعادة طرح مشروع E1 وربط المستوطنات بالقدس، فبيّن عبد الحق أن هذه المنطقة هي مساحة جغرافية واسعة تقع بين مدينة القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، وبالتالي تُعَد حلقة وصل استراتيجية إذا جرى البناء فيها وربطها بالقدس، إذ ستقسم الضفة الغربية فعليًا إلى قسمين شمالي وجنوبي، وتفصل القدس الشرقية عن امتدادها الطبيعي الفلسطيني.
وأوضح أنّ إعادة طرح خطط التوسع في منطقة (E1) وربط المستوطنات بالقدس تحمل أهدافًا استراتيجية، أبرزها:
- إغلاق الباب أمام قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، عبر نسف إمكانية وجود تواصل جغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، ما يجعل أي دولة فلسطينية مستقبلية مجرد جزر معزولة، وهو ما يقوّض كليًا فكرة (حل الدولتين).
- تعزيز السيطرة على القدس، من خلال ربط المستوطنات بالقدس الكبرى، وهو ما يهدف إلى تطويق المدينة وفصلها عن محيطها الفلسطيني، بما يحول دون أن تكون عاصمة مستقبلية للدولة الفلسطينية.
- ترسيخ وقائع على الأرض قبل أي مسار سياسي، لإدراك إسرائيل أن أي مفاوضات مستقبلية ستُبنى على الوقائع الميدانية، لذلك تحاول مسابقة الزمن لتثبيت مشروعها الاستيطاني بحيث يصبح من الصعب التراجع عنه أو تفكيكه.
- توسيع "القدس الكبرى" ككيان ديموغرافي وأمني، عبر ضم المستوطنات وربطها بالقدس، بما يحقق هدفين في آن واحد: زيادة عدد المستوطنين في محيط المدينة لإحداث تغيير ديموغرافي، وتوسيع السيطرة الأمنية عبر شبكة طرق وحواجز تجعل من القدس مركزًا محصّنًا ضمن خريطة الاحتلال.
وشدد المتخصّص في العلوم السياسية والدراسات الإسرائيلية، عبد العظيم عبد الحق، في تصريحه لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني، على أنّ مشروع E1 ليس مجرّد خطة استيطانية جديدة، بل يشكّل ضربة قاصمة لحل الدولتين، مشيرًا الى أنّ وضوح هذه الأهداف يضعنا أمام حقيقة أن إسرائيل تتحرك وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، لا مجرد ردود فعل آنية. وهي رؤية تقوم على تثبيت السيطرة على القدس والضفة، ودفن أي إمكانية لحل الدولتين في الواقع، حتى لو ظل يُطرح كشعار في المحافل الدولية.
وحول التطور الأخير في سياسة الاحتلال لفرض السيادة الإسرائيلية على الأماكن المقدسة، واستيلائه على أجزاء من الحرم الإبراهيمي، أكد عبد الحق أن هذه الخطوة هي حلقة في سلسلة أوسع من محاولات فرض السيادة الإسرائيلية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في فلسطين.
وحذّر من خطورة أبعاد ودلالات هذه الخطوة، وأبرزها تكريس التقسيم المكاني والزماني، وتحويل الحرم الإبراهيمي إلى فضاء خاضع لسيادته؛ ومحو الهوية الفلسطينية العربية الإسلامية والمسيحية من المدينة، وفرض رواية توراتية أحادية على التاريخ والذاكرة، في محاولة لإعادة صياغة التراث الفلسطيني بما يخدم المشروع الصهيوني؛ مشيرًا إلى أنّ هذا التطور يأتي ضمن مخطط أوسع لضم الضفة الغربية عمليًا، بحيث تصبح السيطرة على الأماكن المقدسة جزءًا من سياسة الضم التدريجي ونسف أي إمكانية لحل الدولتين.
وشدّد على أنّ خطورة الأمر هي في كون معركة الهوية والتراث لم تعد رمزية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمصير المشروع الوطني الفلسطيني برمته، لأن السيطرة على المقدسات تعني السيطرة على الوجدان الجمعي للشعب وعلى رموز وجوده في أرضه.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها