مع اشتداد العدوان الإسرائيلي على غزة وتوسّع استهداف الاحتلال المخيمات في الضفة الغربية، يفتح المشهد السياسي والحقوقي أبوابًا متجددة للنقاش حول جدوى القرارات والمواقف الدولية ومدى قدرتها على إحداث توازن حقيقي يوقف جرائم الاحتلال ويؤسّس لمسار جاد نحو الاستقلال.

وفي سياق تسليط الضوء على المشهد الميداني في الضفة، مع تواصل ممارسات الاحتلال الإسرائيلي العدوانية من اقتحامات وحصار واعتقالات جماعية، وصولًا إلى محاولات فرض واقع جديد في المخيمات، أكّد الباحث في العلوم السياسية والقانون الدولي د.رائد موسى في تصريح لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني أنّ هذه السياسات ليست عشوائية، بل تعبّر عن نهج منظّم يلبّي طموحات الاحتلال في تفكيك المخيمات لطمس شواهد قضية اللاجئين وحقهم في العودة، فضلًا عن مساعيه لإنهاء وجود ودور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

 ورأى د.موسى أنّ ما يجري اليوم من هدم وتدمير في بعض مخيمات شمال الضفة يندرج ضمن إعادة التشكيل التنظيمي لمباني المخيم السكنية عبر فتح شوارع وممرات تسهّل على قوات الاحتلال اقتحامها والتوغل فيها بشكل سريع وآمن، ما يتيح لها ممارسة تدخل أمني دائم داخل المخيمات، وذلك بهدف تنغيص حياة سكان المخيمات، ودفعهم إلى هجرة طوعية، في حال فشل مخطط التهجير القسري وعاد السكان إلى منازلهم في أعقاب كل عملية تدمير.

وفي سياق التطورات السياسية، توقّف د.موسى عند اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لإعلان نيويورك حول تنفيذ حل الدولتين، مشيرًا إلى أن الجديد والمميز في هذا الإعلان يتمثل في حجم الدعم الدولي الذي ناله، والذي تجسّد في التصويت على إقراره بأغلبية كبيرة في الجمعية العامة يوم الجمعة، وبما أقرّه الإعلان بأنه التزام بـ"اتخاذ خطوات ملموسة ومحددة زمنيًا لا رجعة فيها من أجل تسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين". 

وقال إنّ إقراره في الجمعية العامة يحوّله لوثيقة قانونية دولية، تعزّز الموقف الدبلوماسي الفلسطيني والعالمي تجاه الدفع باستقلال الدولة الفلسطينية، مستدركًا: "ولكن يبقى العائق الرئيس أمامه هو الاعتراض الأمريكي والإسرائيلي على القرار، وهو ما يحول دون اعتباره محطة فارقة على غرار اتفاق أوسلو الذي جرى بتوافق كل الأطراف".

وفي هذا الإطار أعرب د.موسى عن أمله أن يتمكن الدعم الدولي من دول كبرى للإعلان الذي تقوده المملكة العربية السعودية وفرنسا، مثل بريطانيا وكندا وألمانيا وأستراليا وإيطاليا واليابان، والعديد من البلدان صاحبة النفوذ والتأثير على الولايات المتحدة واسرائيل، من إحداث نوع من التوازن وتعويض الرفض الأمريكي لهذا الإعلان، شرط أن تمتلك هذه الدول إرادة سياسية حقيقية لإحداث السلام والاستقرار، وألا تقتصر خطواتها على مجاملة سياسية أو امتصاص غضب الشعوب من هول جرائم الاحتلال بحق شعبنا وما يحصل من إبادة جماعية في غزة بشكل خاص.

ورأى موسى أنّ هذه المواقف الدولية تعكس بداية إرادة عالمية لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، إذ كانت فرنسا قد طرحت توجهات بهذا الصدد قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وقبل حرب الإبادة على غزة، آملاً أن يترجم إعلان نيويورك إلى خطوات عملية جدية، لاسيما أنه يتضمّن خطوات وآليات لوقف حرب الإبادة في غزة وتحقيق استقلال الدولة الفلسطينية.

أما في ما يخص تحولات الموقف الأوروبي، فأوضح الباحث في العلوم السياسية والقانون الدولي د.رائد موسى أنّ هذه التغييرات الاستراتيجية الأخيرة ليست مجرد رسائل سياسية، بل هي استجابة لضغط شعبي واسع في الشارع الأوروبي المطالب بوقف الإبادة في غزة وإنهاء الاحتلال واستقلال الدولة الفلسطينية. لكنه في الوقت ذاته عبّر عن خشيته من تطور الأحداث في الحرب الروسية الأوكرانية بما قد يصرف الأنظار الأوروبية عن الوضع في فلسطين لصالح أزمات جديدة تهدد أمن ومصالح أوروبا، مؤكدًا ضرورة جني ثمار هذه التحولات الأوروبية سريعًا قبل أن تتراجع.

وثمّن على هذا الصعيد نشاط المملكة العربية السعودية المترافق مع التقدم السياسي للحراك الدبلوماسي الفلسطيني، وخصوصًا في محكمتي العدل الدولية والجنائية الدولية، إضافةً إلى مساعي الحصول على مزيد من الاعترافات بدولة فلسطين، في سبيل استثمار تلك التحولات لأبعد مدى ممكن لدعم استقلال الدولة الفلسطينية.

 ورأى أن مستوى التنفيذ العملي سيتضح قريبًا من مدى قدرة "التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين" على توفير دعم مالي واقتصادي عاجل للشعب الفلسطيني الذي يعاني من جريمة إبادة في غزة، وللسلطة الوطنية الفلسطينية التي تعاني من حصار مالي إسرائيلي، لا سيما أنّ إعلان نيويورك يتضمن آليات دعم مالي عاجلة لإنقاذ الوضع في فلسطين ودعم قيام واستقلال الدولة الفلسطينية. 

وفي موازاة ذلك، توقّف د.موسى عند المسار القضائي الدولي لوقف جرائم الحرب الإسرائيلية المستمرة، موضحًا أنّه، للأسف الشديد، لا يشكل وسيلة عاجلة لوقف الحرب المستمرة، إنما أداة معاقبة لترسيخ المسؤولية الجنائية الفردية ومنع تكرار الجرائم مستقبلًا. وأكد أنّ المسار القضائي الدولي ما لم يكن مُحالاً من مجلس الأمن الدولي يكون مساره الإجرائي بطيئًا جدًا، بحيث يمنح كل أطراف النزاع مهلاً زمنية للرد على التهم الموجهة وفرصة زمنية كافية للدفاع القانوني عن موقف كل طرف.

وفيما يخص الأصوات الحقوقية والبرلمانية المطالبة بمحاسبة قادة الاحتلال، رأى أنّ دورها يقتصر على تنبيه المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ليتوسع في نطاق التحقيقات في ارتكاب جرائم الحرب، دون أي تأثير فعال على تسريع سير الاجراءات القضائية.

وختم بالإشارة إلى أنّ جدوى وأهمية مسار القضاء الدولي تكمن في ما يشكله من ضغط سياسي على مكانة إسرائيل الدولية، وتعرية حقيقتها بإفقادها صورتها المزعومة التي كانت تدعيها كـ(واحة ديمقراطية في الشرق الأوسط تتشارك مع العالم الغربي في قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان)، فعندما يصبح رئيس حكومة إسرائيل ووزراؤه مطلوبين للعدالة الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة تفقد إسرائيل صورتها ومكانتها الدولية التي خدعت بها العالم لسنوات طويلة.