خلال الأيام الماضية تتالت المواقف الدولية الداعمة للشعب الفلسطيني وداعمة لخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967. أصدرت الجمعية العامة، أول أمس الجمعة، قرارًا بأغلبية كبيرة (142 دولة صوتت لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية، 10 دول عارضت، و12 دولة تحفظت). وصدر مرسوم ملكي في إسبانيا بتاريخ 8/9 بتحريم تصدير السلاح إلى إسرائيل. كما صرح رئيس الوزراء الإسباني بموقف هام قال فيه إنه لا يملك أسلحة نووية ليفرض وقف الحرب على الشعب الفلسطيني؛ وهو لا يقصد إلقاء السلاح على إسرائيل، إنما التلويح به لإلزامها بوقف الكارثة والمجاعة، فضلاً عن اعترافها عام 2024 بالدولة الفلسطينية مع عدد من الدول الأوروبية.
وصوّت البرلمان الأوروبي يوم الخميس الماضي (11/9) على قرار بضرورة فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على وزراء في الحكومة الإسرائيلية بأغلبية 305 نواب مقابل معارضة 151 نائبًا وامتناع 122 آخرين. ويدعم القرار الجديد اقتراح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بتعليق جزئي للجوانب التجارية في اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وفق ما أورد موقع "بوليتيكو". ويعد هذا أول قرار مشترك للبرلمان بشأن الوضع في غزة منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
أضف إلى ذلك أن أكثر من 300 سفير ومسؤول بارز سابق في الاتحاد الأوروبي طالبوا باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف "الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة وتخفيف الكارثة الإنسانية المتفاقمة". وشدّدوا في رسائل موجهة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي وقادة مجموعة السبع على ضرورة فرض عقوبات على أعضاء الحكومة الإسرائيلية وتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل فورًا. وطالبوا 13 دولة أوروبية بالاعتراف بدولة فلسطين أسوة بـ147 دولة عضوًا في الأمم المتحدة قامت بذلك، وحثّوا على عقد اجتماعات طارئة للجمعية العامة ومجلس الأمن لاعتماد عقوبات ضد إسرائيل، ودعوا واشنطن إلى التراجع عن القيود المفروضة على الممثلين الفلسطينيين وممثلي الأمم المتحدة داخل المنظمة الدولية.
هذه الخطوات وغيرها من المبادرات الهامة التي اتخذتها دول أخرى في الاتحاد الأوروبي وقارات أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا لم تُحدث التحول المطلوب لجهة وقف الإبادة الجماعية ورفع الكارثة الإسرائيلية- الأميركية الوحشية عن الشعب العربي الفلسطيني، وإدخال المواد الإغاثية الإنسانية إلى قطاع غزة للحؤول دون تفشي المجاعة والأمراض والأوبئة أكثر فأكثر في أوساط الأطفال والنساء وكل أبناء الشعب، وانسحاب الجيش الإسرائيلي كليًا من القطاع، والشروع في إعادة إعمار ما دمرته العمليات العسكرية، وقطع الطريق على التهجير القسري والتطهير العرقي الأوسع والأبشع منذ النكبة الأولى عام 1948. الأمر يتطلب البحث عن خطوات أكثر قوة وجدية لوقف الفاجعة الأخطر على الشعب الفلسطيني.
وعلى أهمية هذه المبادرات الإيجابية والشجاعة، فإنها تتطلب تشكيل لوبي عالمي من مختلف القارات، بغض النظر عن التباينات والخلافات بين الدول والقوى المؤثرة في الملفات الدولية الأخرى، للضغط على الإدارة الأميركية ودولة إسرائيل المارقة المخالفة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لوقف الإبادة الوحشية فورًا وبشكل دائم. وما لم تتكاتف القوى والدول، وفي مقدمتها الأقطاب الدولية ذات الثقل السياسي والديبلوماسي والاقتصادي والعسكري، ستبقى دولة إسرائيل ماضية في مخطط إبادة يشكل أخطر تهديد على الشعب الفلسطيني خاصة والدول العربية عمومًا، وهو ما سيهدد الأمن والسلم العالميين ويستبيح القوانين والقرارات والمؤسسات الأممية. وهذا يفرض اللجوء إلى مجلس الأمن وانتزاع قرار وفق الفصل السابع لإلزام إسرائيل بوقف حربها الهمجية.
آن الأوان للانتقال إلى خطوات عملية بقوة دفع شديدة ومؤثرة لوقف المحرقة الجديدة وإنقاذ ما تبقّى من الشعب الفلسطيني ومنع تمدد دوامة الكارثة إلى دول إقليم الشرق الأوسط برمته، وإنقاذ المنطقة من الأخطار التي تهدد بتفاقم الأزمات وفتح آفاق واسعة أمام تصاعد وتيرة العنف والإرهاب والحروب، وادخال الإقليم والعالم في حافة الهاوية وتهديد البشرية عمومًا. فهل يرقَ العالم لذلك؟.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها